مصر والشام والجزيرة العربية

عهد المماليك البرجية

784 – 923 هـ = 1341 – 1517 م] كان «حاجى بن شعبان» آخر سلاطين المماليك من بيت الناصر، وآخر سلاطين دولة المماليك البحرية فى الوقت نفسه، وكان «حاجى» صغير السن حين اعتلى عرش السلطنة؛ إذ كانت سنُّه عشر سنوات، فعُيِّن «برقوق» أتابكًا له، واستغل حداثة سِنِّه وضعفه، واستدعى الخليفة، والقضاة الأربعة والأمراء، وخاطبهم «القاضى بدر الدين بن فضل» بقوله: «يا أمير المؤمنين، وياسادتى القضاة: إن أحوال المملكة قد فسدت، والوقت قد ضاق، ونحن محتاجون إلى إقامة سلطان كبير تجتمع فيه الكلمة، ويسكن الاضطراب»، فاستقر الرأى على خلع الملك الصالح «حاجى»، وأن يتولى «برقوق» مسئولية البلاد، فاعتلى عرش السلطنة رسميا، وانتهت بذلك دولة المماليك البحرية بعد أن حكمت مائة وستا وثلاثين سنة.

عُرفت الدولة الجديدة باسم: «دولة المماليك البرجية»، لأن سلاطينها كانوا ينتمون إلى لواء من الجند كان مقيمًا فى أبراج القلعة وأطلق على جنوده اسم «المماليك البرجية» لتمييزهم عن «المماليك البحرية» الذين كانت إقامتهم بجزيرة الروضة، وقد عُرف «البرجية» كذلك باسم: «المماليك الجراكسة» أو الشراكسة، نسبة إلى موطنهم الأصلى الذى أتوا منه وهو: «ُورُيا» و «بلاد الشركس» (القوقاز)، وفيما يلى سوف نعرض لأهم الملامح الشخصية لسلاطين هذه الدولة، وظروف عصرهم.

السلطان برقوق [784 – 801هـ = 1382 – 1399م]

يُعدُّ «برقوق» المؤسس الأول لدولة «المماليك البرجية»، فعلى يديه تم عزل آخر سلاطين دولة المماليك البحرية السلطان «الصالح حاجى»، فسقطت دولة البحرية، وقامت دولة البرجية، فكثرت الصراعات الداخلية طمعًا فى السلطنة، وسادت الفوضى، وعَمَّت الفتن، وتميز عهد «برقوق» بالمعارضة الشديدة له، فاهتم بالقضاء على هذه الفتن، وإعادة الهدوء والاستقرار إلى أرجاء ملكه، ثم عمل على إصلاح أحوال البلاد الداخلية، وظل على ذلك حتى استقرت له الأمورفى أواخر عهده، ومات فى سنة (801هـ)، بعد أن عهد إلى ابنه «فرج» بالسلطنة من بعده.

السلطان فرج بن برقوق [801 – 815هـ = 1399 – 1412م]:

تولى «فرج» العرش بعد أبيه وله من العمر ثلاث عشرة سنة، فكثرت فى عهده الاضطرابات والفتن، وخرج عليه الأمراء، خاصة أمراء «سوريا» الذين عارضوا حكمه، فحاول «فرج» أن يسيطر على الموقف وظل يكافح كفاحًا مضنيًا طويلا من أجل تحقيق ذلك، وتمكن من القضاء على فتنة الأمراء فى «سوريا»، ومع ذلك تهدد عرشه بالسقوط أكثر من مرة، إلا أنه ظل يقاوم حتى قُتل فى سنة (815هـ).

السلطان «شيخ المؤيد» [815 – 824 هـ = 1412 – 1421م]:

بعد القضاء على السلطان «فرج ابن برقوق» جلس الخليفة «المستعين» على عرش «مصر» بهدف إعادة الاستقرار إليها وإلى العالم الإسلامى، إلا أنه لم يلبث على ذلك طويلا، وتولى السلطان «شيخ المؤيد» أمور السلطنة، واستطاع أن يقضى على الثورات، وأعاد إلى البلاد وحدتها واستقرارها، فأتاح له ذلك أن يحكم البلاد حكمًا هادئًا فى جو مستقر، وقام ببعض الإصلاحات الداخلية، وبنى جامعه المعروف باسمه بجوار باب زويلة مكان سجن قديم.

مات «شيخ المؤيد» بعد مرض لم يمهله طويلا، فترك العرش لابنه «أحمد».

السلطان ططر [824هـ]:

كان «أحمد» الذى خلف والده «شيخ المؤيد» طفلا رضيعًا عمره سنة ونصف. فتولى الوصاية عليه الأمير «طونبغا»، فنافسه عليها الأمير «ططر»، وتمكن من عزله وعزل «أحمد»، وتولى هو عرش السلطنة، ولكنه لم يمكث طويلا، فقد توفى بعد شهرين من سلطنته، فتولى من بعده ابنه «محمد بن ططر» الذى كان صغيرًا، ولم يستمر فى الحكم أكثر من سنة واحدة، ثم تولى السلطان «برسباى» السلطنة.

السلطان برسباى [825 – 841 هـ]:

امتاز عهد «برسباى» بالهدوء والاستقرار، فقد نجح فى القضاء على قراصنة البحار الذين هددوا التجارة، واستولى من القراصنة على غنائم كثيرة، لدرجة أن ملك «قبرص» قبَّل الأرض بين يديهعرفانًا له بما صنع، وكذلك هدأت الأوضاع فى «سوريا»، وبسط «برسباى» سلطته على «مكة» و «جدة» واحتكر لبلاده طرق التجارة، وعزز اقتصادها، فانتعشت «مصر» اقتصاديا وحضاريا.

تُوفِّى «برسباى» سنة (841هـ) وترك العرش لابنه «يوسف» وكان لايزال طفلا صغيرًا، فلم يحكم سوى ثلاثة أشهر، وخلفه «جمقمق» على عرش السلطنة.

السلطان جمقمق [841 – 857هـ]:

واجه «جمقمق» صعابًا عديدة فى بداية عهده؛ إذ واجهته الثورات، واشتعلت فى بلاده الفتن، وزادت القلاقل، وكان رجلا يمتاز بالقوة والمثابرة، فتمكن من السيطرة على الموقف وقضى على الصعوبات التى واجهته، واتجه إلى الإصلاح الداخلى وإعادة الهدوء إلى البلاد، ثم عمل على توطيد علاقاته مع الإيرانيين وأمراء «آسيا الصغرى»، وتزوج من ابنة «دلجادير» حاكم مدينة «أبلستين»، فمضى فى حكمه بعد ذلك فى هدوء، ثم مات سنة (857 هـ)، وتولى من بعده ابنه السلطان «عثمان بن جمقمق» الذى أساء إلى الرعية، فتم عزله، وتولى عرش «مصر» من بعده السلطان «إينال».

السلطان إينال [857 – 865 هـ = 1453 – 1461م]:

تولى قائد الأسطول الإسلامى «سيف الدين إينال» السلطنة، وسار فى الناس سيرة حسنة أرضت عنه المماليك الذين أغدق عليهم بالهبات والأموال والعطايا، وتمكن من القضاء على الفتن التى واجهته، ولم تتعرض البلاد فى عهده لأى غزو خارجى، نظرًا إلى العلاقات الحسنة التى أقامها مع زعماء الدول الخارجية، واستطاع أن يستولى على «كرمان»، فتميز عهده بالهدوء، وظل على ذلك حتى وفاته سنة (865هـ)، فخلفه ابنه «أحمد بن إينال» على العرش، إلا أنه سرعان ما تنازل عنه، وابتعد عن الدسائس والمؤامرات والفتن التى كان يدبرها أمراء المماليك، فأخذ السلطان «خشقدم» مكانه وتولى عرش السلطنة.

السلطان خشقدم [865 – 872هـ]:

كان عهد «خشقدم» أكثر العهود اضطرابًا، فوجد نفسه أمام عدة قوى مناهضة كان عليه أن يواجهها، فعمل على تفتيتها والقضاءعليها بالسلم أو بالحرب أو بالحيلة، حتى استطاع القضاء على معظمها، ومات ولايزال بعضها منقسمًا على نفسه نتيجة محاولات التشتيت التى قام بها حيالهم.

السلطان قايتباى [872 – 901هـ = 1467 – 1496م]:

لم يتولَّ «قايتباى» السلطة مباشرة بعد «خشقدم»، وإنما سبقه على العرش «بلباى» و «تيموربنا» اللذان حكما شهرًا واحدًا لكل منهما، فقد كان ذلك العهد مليئًا بالاضطرابات والفتن، وظل على ذلك حتى تولى «قايتباى» مقاليد الأمور، وكان رجلا شجاعًا جريئًا ذا مروءة عالية، تجلت حين علم باضطهاد المسلمين فى «إسبانيا»، فأرسل إلى ملكها يتهدده ويتوعده إذا لم يقلع عن الإساءة إلى المسلمين فى بلاده.

واجه «قايتباى» عدة صعاب استطاع التغلب على أكثرها، وتفرغ للإصلاحات الداخلية، والمنشآت الحضارية التى خلدت اسمه، ولعل أبرزها قلعته الحصينة الشهيرة بالإسكندرية.

مصر بعد قايتباى [901 – 906هـ]:

شهدت هذه السنوات القليلة التى تلت حكم «قايتباى» عددًا من السلاطين تميز جميعهم بالضعف وسوء الإدارة، كما تميزت فترات حكمهم بالدسائس والمؤامرات والفتن والاضطرابات، فقد تولى «السلطان الناصر محمد بن قلاوون» الحكم عقب وفاة أبيه، وكان صغير السن، فتولى القائد «قانصوه الخمسمائة» الوصاية عليه فى بداية عهده، ولكن «الناصر محمد» ترك العرش وتنازل عن السلطنة حين رأى الدسائس والفتن والاضطرابات من حوله، فتولى من بعده عدد من السلاطين، كانت مدة حكم كل منهم قصيرة، فساعد ذلك على زيادة الاضطرابات واشتعالها، وظل الوضع على ذلك حتى تمكن «قانصوه الغورى» من الوصول إلى العرش، وهؤلاء السلاطين هم:

«قانصوه الأشرفى»، و «جنبلاط»، و «طومان باى الأول».

السلطان قانصوه الغورى [906 – 922هـ=1501 – 1516م]:

بدأ السلطان «الغورى» عهده بتشتيت شمل مثيرى الفتن والقلاقل، وقاوم بصلابة وحزم الثورات التى قامت، وأعد أسطولا لحماية التجارة من غارات البرتغاليين، فقد دأب البرتغاليون بقيادة«فاسكودى جاما» على إثارة القلاقل فى الدول الإسلامية المتاخمة لطريقهم إلى المشرق محاولين بذلك السيطرة على طرق التجارة بين الشرق والغرب، إلا أن سلاطين المماليك وقفوا لهم بالمرصاد، واستطاعوا ردهم على أعقابهم أكثر من مرة، على الرغم مما كان يعانيه هؤلاء السلاطين من الفتن والاضطرابات داخل البلاد.

حاول «الغورى» إعادة السيطرة البحرية إلى بلاده ودعم موقفه، وبعث إلى البابا يهدده إذا لم يكف البرتغاليون عن غاراتهم، إلا أن الضعف العام الذى حل بالدولة نتيجة الاضطرابات وزيادة نفقات المماليك أدى إلى سيطرة البرتغاليين على طرق التجارة، وعمل «الغورى» على رد غارات البرتغاليين، وأخذ يستعد لذلك، إلا أن الدولة العثمانية أرسلت قوة حربية للسيطرة على بلاد الشام، ثم أمدت هذه القوة بالجنود والمعدات وحولتها إلى جيش كبير حارب المماليك فى منطقة «مرج دابق» بالشام، فتمكن العثمانيون من هزيمة المماليك، وقتلوا السلطان «الغورى» الذى كان يقود الجيش بنفسه فى سنة (922هـ).

السلطان طومان باى الثانى [922 – 923 هـ = 1516 – 1517م]:

بعد مقتل «الغورى» بالشام استقر الرأى على تعيين «طومان باى» ابن أخيه سلطانًا على «مصر»، وجلس «طومان باى» على العرش فى فترة كانت شديدة الحرج فى تاريخ «مصر»؛ إذ سيطر العثمانيون على الشام، وساءت الأحوال بمصر بعد هزيمة «مرج دابق»، ولم يكتفِ العثمانيون بما حققوا، بل يمموا شطر «مصر» فى محاولة منهم للسيطرة عليها.

حاول «طومان باى» السيطرة على الموقف، وقام بعدة أعمال فى سبيل تحقيق ذلك، وفض الخصومة التى كانت قائمة بين المماليك وصالح بينهم، وساعده فى ذلك حب الشعب له لإخلاصه ووفائه وتفانيه فى خدمة المسلمين.

باءت كل محاولات «طومان باى» بالفشل فى إعادة المماليك إلى قوتهم الأولى التى كانوا عليها فى عصور النهضة، فقد أنهكتهم الاضطرابات، وقضت على وحدتهم الفتن، فانتهى الأمر بهزيمتهم علىأيدى العثمانيين فى موقعة «الريدانية» الشهيرة فى ظاهر «القاهرة»، ودخل العثمانيون «مصر»، وحاول المصريون مساندة «طومان باى» فى هذه الظروف لحبهم الشديد له، إلا أنهم لم يستطيعوا إيقاف زحف العثمانيين على «مصر»، فخرج «طومان باى» إلى «مديرية البحيرة» فى محاولة منه لاستجماع قوته وجنوده، ولكن العثمانيين تمكنوا منه وقبضوا عليه، ثم شنقوه على «باب زويلة» سنة (923هـ)، بعدما بذل كل جهوده وأدى واجبه فى سبيل الدفاع عن دولته، إلا أن ظروف عصره لم تمكنه من تحقيق ما أراد، فسقطت بذلك دولة المماليك ونظامهم، ودخلت «مصر» مرحلة جديدة باتت فيها تحت حكم العثمانيين.

المماليك حماة الإسلام

إن المتتبع لأحداث العالم الإسلامى عبر صفحات التاريخ، سوف يجد أمرًا فريدًا تميزت به بلاد المسلمين عن غيرها من بلاد العالم، وكان الدين الإسلامى هو العامل الرئيسى والوحيد وراء هذا التميز والتفرد، فنجد فى تاريخ المسلمين عبر فتراته المختلفة أن الدين الإسلامى هو سر القوة الكامن فيهم وفى وحدتهم، ويجد المتتبع أن دولة الإسلام إذا حل بها ضعف فى مكان ما منها؛ فسرعان ما تقوم قوة إسلامية فى مكان آخر لتعوض هذا الضعف، وترفع راية الجهاد، لكى تستكمل مسيرة البناء والحضارة، فنجد أن الخلافة حين ضعفت فى «بغداد» ظهرت قوة الأيوبيين والمماليك فى «مصر»، فلما حل الضعف بالمماليك، قامت قوة العثمانيين، وهكذا فى تتابع عجيب؛ ليؤدى كلٌّ دوره الحضارى والتاريخى فى هذا البناء العظيم الذى أقامه المسلمون فى كل مكان حل به الإسلام.

ولأن المماليك إحدى هذه القوى التى قامت باستكمال ما عجزت عنه بعض القوى الأخرى نتيجة قصور فى شىء أو ضعف ما، فقد قاموا بخدمات جليلة لرفع شأن الإسلام، وتعظيم هيبة المسلمين، وجاهدوا فى سبيل تحقيق ذلك بأموالهم وأوقاتهم وأرواحهم، وخاضوا غمار المعارك للذود عن الإسلام والمسلمين، وفيما يلى سوف نعرض لأهم المعارك التى خاضوها.

عين جالوت [658هـ]

لم تكد الأمور تهدأ فى «مصر» فى بداية عهد المماليك حتى سقطت الخلافة فى «بغداد» على أيدى التتار الذين اجتاحوا بلاد المسلمين وسيطروا عليها، ولم يعد أمامهم سوى «مصر»، فسعوا إلى الإيقاع بها ليكون العالم الإسلامى كافة فى قبضتهم. فبعد سقوط «بغداد» زحف التتار بقيادة «هولاكو» تجاه «سوريا» واحتلوا «حلب»، وقتلوا خمسين ألفًا من سكانها، ثم احتلوا «حماة» و «دمشق» وعقدوا معاهدة مع «أنطاكية» (على حدود الروم) للتحالف ضد المسلمين، ولم يكتفِ «هولاكو» بذلك، بل أرسل إلى ملك «مصر» يطلب منه التسليم، ويهدده بالقضاء على جيوش المسلمين كلها إن لم يُسرع بذلك، فقد رأى «هولاكو» أثر تهديداته بهذه الصورة على مقر الخلافة فى «بغداد»، وظن أن يجد الصدى نفسه لدى حكام «مصر»، ويدخل «مصر» بسهولة ودون مقاومة مثلما دخل «بغداد»، إلا أن «سيف الدين قطز» أجبره على أن يفيق من أحلامه بصاعقة لم تكن متوقعة، فقد مزق رسالته وقتل رسله وعلق رءوسهم على مداخل «القاهرة»، وتوعده بالموت والهلاك إن لم يرحل عن هذه البلاد التى قتل من مسلميها ما لايُحصَى عدده، وجعل الدماء أنهارًا فى «بغداد» والشام.

خرج «المظفر قطز» فى أواخر شهر شعبان سنة (658هـ) لملاقاة التتار الذين وصلت طلائعهم إلى غزة بقيادة «كتبغا»، ودارت رحى المعركة بين الطرفين فى «عين جالوت» بفلسطين فى رمضان من سنة (658هـ)، وأظهر فرسان المماليك، والجند المصريون شجاعة بالغة بقيادة السلطان «المظفر قطز» وبجواره «بيبرس» أعظم فرسان المماليك البحرية. وتجدر الإشارة إلى الارتباك الشديد الذى حدث بين صفوف المسلمين فى بداية المعركة، فلما رأى «قطز» ذلك عمل على رفع معنويات جنده وشد عزيمتهم، وألقى خوذته عن رأسه إلى الأرض، وصاح بأعلى صوته: واإسلاماه .. واإسلاماه؛ فاستجاب له الجند، ودوت الصيحة فى ميدان المعركة، ورفع المسلمون أصواتهمبالتكبير .. الله أكبر .. الله أكبر، وعمدوا إلى قتال عدوهم، وجاهدوا بإخلاص وثقة فى سبيل الله للحفاظ على الدين والأرض والمال والولد، فكتب الله لهم النصر المؤزر على جحافل التتار، وقضوا عليهم قضاء مبرمًا.

ويعد الانتصار العظيم الذى حققه المسلمون على التتار فى «عين جالوت» من أعظم الانتصارات فى التاريخ الإسلامى على الإطلاق، فلم يكن مجرد انتصار عسكرى فحسب، بل كان انتصارًا للحضارة، وإنقاذًا للمدنية الإنسانية كلها من أمة همجية، لم تكتف بالقتل والذبح والتشريد؛ بل عملت على الهدم والتخريب والدمار، فقتلت المسلمين بوحشية، وهدمت مكتبات «بغداد»، وألقت بأعظم المؤلفات العلمية والحضارية فى نهرى «دجلة» و «الفرات»، ولولا رحمة الله -تعالى- بهذه الأمة بأن قيض لها قادة عظماء، ورجالا يخشون الله تعالى، وفرسانًا يعملون على إعلاء كلمة «لا إله إلا الله»، والحفاظ على وحدة الأمة؛ لتغيرت أحداث التاريخ، واختلفت مجريات الأمور، وتباينت صور الحضارة فى هذه البلاد. ولكن الله – تعالى – أراد السلامة لهذه الأمة من خطر التتار وهمجيتهم، فردهم على أعقابهم مدحورين خاسرين.

علاقة المماليك بالصليبيين

تمتعت «مصر» فى عهد المماليك بمركز ممتاز بين دول العالم شرقًا وغرباً؛ فهى التى هزمت الصليبيين فى معركة «حِطِّين»، وهزمت المغول فى «عين جالوت» وأخضعت «أرمينية» لسلطانها، وبسطت نفوذها على بلاد «اليمن» و «الحجاز»، ووسعت أملاكها فى «إفريقية»، وأصبحت – بحق – مقر الحكومة الإسلامية، خاصة بعد انتقال الخلافة الإسلامية من «بغداد» إليها.

لم تستقر الأوضاع تمامًا فى عهد سلاطين المماليك، ومع ذلك لم يكونوا أقل حماسة فى طرد الصليبيين من أسلافهم الأيوبيين، إذ لم تكن الحملة الصليبية السابعة – التى فشلت وأسر قائدها بالمنصورة فى العهد الأيوبى – آخر جولات الصليبيين مع «مصر»، فقد رأى «الظاهر بيبرس» – حين استتب الأمر للمماليك وقويت شوكتهم – متابعةسياسة «صلاح الدين الأيوبى» وخلفائه فى مطاردة الصليبيين وإجلائهم عن الشرق الأدنى، ولم يكن ذلك بالأمر الهين؛ إذ كان يتعين عليه مواجهة الكيانات الصليبية فى «أنطاكية» و «طرابلس»، وفى الجزء الباقى من مملكة «بيت المقدس» ليقضى على إماراتهم فيها، ولكى يصل إلى تحقيق ذلك رأى القضاء على كل إمارة منها على حدة، فسارعت بعض المدن بعقد الصلح معه، وبدأ جهاده بحصار «قيسارية»، ثم استولى عليها، فرفع هذا النصر من معنويات جنوده، فتابع انتصاراته واستولى على «صفد»، و «شقيف»، و «يافا»، ثم على «أنطاكية» التى تحالفت مع التتار ضد المسلمين، فكان لسقوطها دوىّ هائل فى الإمارات الصليبية التى أسرعت بعقد الصلح مع «الظاهر بيبرس»، ذلك الرجل الذى وهب حياته للجهاد فى سبيل الله.

وبعد أن هدأ القتال مع الصليبيين اتجه «بيبرس» إلى مواجهة المغول وانتصر عليهم فى معركة «عين جالوت»، ثم تعقبهم حتى أجلاهم عن بلاد الشام.

لقد كانت حياة «الظاهر بيبرس» وجهاده محاولة منه لإعادة مسيرة الناصر «صلاح الدين» والمظفر «قطز» معًا، ولم يبخل فى سبيل تحقيق استقرار أمن المسلمين ودولتهم بكل ما يملك من وقت وجهد ومال، فأصبح عصره من أزهى عصور المسلمين فى التاريخ، وأعاد إلى البلاد هيبتها وأمنها واستقرارها بعد ما مر بها من فترات عصيبة سبقته، وكذلك أعاد إلى الخلافة الإسلامية مكانتها ونقلها إلى «القاهرة»، وأسس جيشًا قويا، وأسطولا عظيمًا، ويكفيه فخرًا أن «مصر» حققت انتصاراتها العظيمة على الصليبيين والمغول فى عهده وتحت قيادته.

جهاد قلاوون وأسرته ضد الصليبيين

استأنف السلطان «قلاوون» الجهاد ضد الصليبيين فى سنة (685هـ)،وبدأ بمناوشتهم، وحاصر «اللاذقية» التى كانت تحت سيطرتهم، ثم استولى عليها وعلى «طرابلس الشام» من بعدها، ولم يبق فى أيدى الصليبيين فى الشرق الأدنى سوى «بيروت» و «صور»، و «عكا» التى كانت من أمنع الحصون الصليبية، فرغب فىالسيطرة عليها ثأرًا لبعض التجار المسلمين الذىن قتلهم الصليبيون، وزحف بجيشه وحاصرها إلا أنه مات قبل أن يتمكن من دخولها، وبقيت «عكا» فى أيدى الصليبيين حتى تولى «الأشرف خليل بن قلاوون» مهام السلطنة، وتمكن من فتح «عكا» ودخولها فى سنة (692هـ) بعد حصار ظل أربعة وأربعين يومًا، فعادت «عكا» إلى أيدى المسلمين بعد أن بقيت مائة عام كاملة تحت سيطرة الصليبيين، ثم توجه الأشرف بجيشه تجاه «صور»، و «حيفا» وتمكن منهما بعد جهاد عنيف أشاد به الشعراء ونظموا له القصائد، وهكذا تمكن «الأشرف خليل» من تحقيق هدفه وأمل أبيه من قبله، وقضى على بقايا الجيوب الصليبية فى الشام، وبذلك قضى على دولتهم فيها، فاتخذوا من جزيرة «أرواد» مستقرا لهم، وأخذوا يغيرون منه على سكان المدن الإسلامية فى الشام، وقطعوا الطريق على المارة، فاستغاث نائب السلطان على الشام بالسلطان «الناصر محمد بن قلاوون» الذى آلت إليه السلطنة.

جهاد الناصر محمد

حين بلغت «الناصر محمد» استغاثة نائبه على الشام، جهز أسطوله البحرى وانضم به إلى جيش «طرابلس الشام» فى عام (702هـ)، وحاصر «جزيرة أرواد» بالجيش والأسطول معًا، وانتهى الأمر بهزيمة ساحقة للصليبيين، وعودة هذه الجزيرة – ذات الموقع الاستراتيُجى المهم، والتى افتتحها المسلمون الأوائل سنة (54هـ) – إلى ظل الحكم الإسلامى مرة ثانية، فانتهت دولة الصليبيين فى الشرق الأدنى والأراضى المقدسة.

لم يتوقف «الناصر محمد» عند هذا الحد من الجهاد، بل تقابل فى سنة (702هـ) مع المغول بقيادة زعيمهم «غازان» فى «مرج الصقر» على مقربة من «حمص»، فقد حاول المغول الثأر لهزيمتهم فى «عين جالوت»، فواجههم «الناصر محمد» بما تميز به من شدة وبأس وقوة عزيمة، وهزمهم هزيمة ساحقة مات على إثرها «غازان» زعيم المغول حزنًا، وقوبل «الناصر محمد» بأعظم مظاهر الترحيب حين عودته من الشام إلى «مصر»، وأقيمت له أقواس النصر، وخرج الشعب كلهلاستقباله وتهنئته والترحيب به. لم يركن «الناصر محمد» إلى الراحة طيلة فترة حكمه للسلطنة، وعمد إلى الحفاظ على وحدة بلاد المسلمين، ورفع شأنهم، وخرج إلى «أرمينية» على رأس جيوشه حين نقضت العهد الذى كان بينها وبين المسلمين، وصمم على غزوها والسيطرة عليها تأديبًا لحكامها على نقضهم العهد، واجتاحت الجيوش الإسلامية بقيادته بلاد «أرمينية»، وتمكنت منها ودخلتها سنة (726هـ)، فعادت تبعيتها إلى الدولة الإسلامية، وقامت بدفع نفقات جيش المسلمين.

لقد كتبت دولة المماليك بجهادها صفحة مجيدة من صفحات الجهاد فى التاريخ الإسلامى، وقامت بدورها كاملا فى حماية أراضى البلاد ومقدساتها من طمع أعدائها، سواء أكانوا من الصليبيين أم المغول، وحافظت على استقرار الأمن ورفع شأن المسلمين، ولم يكن الجهاد حكرًا فى هذه الحقبة من التاريخ على دولة «المماليك البحرية» وحدها، بل كان لدولة «المماليك البرجية» دورهم البارز فى هذا الشأن؛ إذ اشتبكت الجيوش الإسلامية فى عهد السلطان «برسباى» مع الصليبيين فى «قبرص»، وتمكن المسلمون من هزيمتهم فى موقعة «شيروكيتوم»، وأسروا ملك «قبرص» وجاءوا به إلى «القاهرة»، وظلت «قبرص» تحت سيطرة المماليك حتى دخل العثمانيون «مصر» سنة (923هـ).

السابق
دولة المماليك البحرية
التالي
عمان