مصر والشام والجزيرة العربية

عهد المماليك

النظام الحربى والبحرى

لاشك أن الانتصارات الرائعة التى أحرزها المماليك تعود إلى إعداد جيد للجيش وتنظيم دقيق له وللقائمين عليه، ولعل الفضل فى ذلك يعود إلى «الظاهر بيبرس» الذى أولى الجيش عنايته منذ ولى عرش «مصر»، فقد قام بنفسه بإعداده وتنظيمه وتسليحه، ليكون سنده فى الحروب ووقت الشدة، فاستكثر من شراء المماليك وعنى بتربيتهم تربية دينية وعسكرية، وعين لكل فئة منهم فقيهًا يعلمهم القرآن، ومبادئ القراءة والكتابة، حتى إذا وصلوا إلى سن البلوغ أوكلهم إلى من يدربهم ويمرنهم على الأعمال الحربية، فإذا أتموا ذلك وأجادوه ألحقوا بجيش السلطان لتبدأ حياتهم الجهادية فى سبيل الله.

فلما ولى السلطان «قلاوون» مقاليد الأمور فى سنة (679هـ)، زادت عنايته بشئون تدريب الجند المماليك، وأشرف على طعامهم بنفسه وكان يتذوقه قبل تقديمه إليهم، وكان لا يسمح لهم بمغادرة «قلعة الجبل» ليلا أو نهارًا، وظلوا على ذلك حتى ولى السلطان «خليل بن قلاوون» فى سنة (689هـ)، فسمح لهم بالخروج نهارًا فقط، ومنعهم من المبيت خارجها، ثم بنى لهم «الناصر محمد بن قلاوون» – فيما بعد – «الطباق» بساحة الإيوان بالقلعة وجعلها مقرا لهم.

تكوين الجيش

كان جيش المماليك يتكون -عادة- من المماليك السلطانية وجنود الحلقة، وكانت لكل فريق من هاتين الطائفتين مرتبة لا يتجاوزها إلى غيرها، فالمماليك السلطانية هم مماليك السلطان، وتنفق عليهم الخاصة السلطانية، لأنهم حرس السلطان الخاص، وكان لهم نظام دقيق فى التدرج القيادى رتبة بعد رتبة، فمنهم من أطلق عليه أمير خمسة، وأمير عشرة، وأمير أربعين، وكذلك أمير مائتين، وكانت لكل صاحب لقب من هذه الألقاب واجبات والتزامات معينة، فأمير خمسة يكون فى خدمته خمسة مماليك، وأمير عشرة تكون عدته عشرة مماليك، أما «أمير الأربعين» فكان يطلق عليه «أمير طبلخانة» لحقهفى دق الطبول على قصره كما يحدث للسلطان، ولم يكن لطبقة الأمراء هذه ضابط فى عدد أتباعها من المماليك، فقد يتفاوت عدد مَنْ يكون فى خدمة كل أمير منهم ما بين أربعين وثمانين مملوكًا، أما «أمير مائة» فكان فى خدمته «مائة» مملوك، ومقدم فى الوقت نفسه على ألف جندى فى الحروب، فيقال: «أمير مائة مقدم ألف».

أما جنود الحلقة فكان لكل أربعين جنديا منهم رئيس لا حكم له عليهم إلا إذا خرجوا إلى القتال، فيقوم بترتيبهم فى أماكنهم، وليس له الحق فى أن يُبعد أحدهم من الخدمة إلا بإذن من السلطان.

كانت هناك طائفة أخرى من المماليك تضاف إلى الطائفتين السابقتين، وهى طائفة مماليك الأمراء التى كان ينفق عليها أمراؤها، فقد كان مماليك هذه الفئة يحرسون أمراءهم ويساعدونهم على أعدائهم.

ولم تكن مرتبات الجند ثابتة، وقد استبدل نظام المرتبات بإقطاعات كان السلطان يمنحها لهم ليتمتعوا بغلاتها وإيراداتها، فبات أمراؤهم – خاصة أمراء المماليك السلطانية – ذوى ثروة كبيرة ونفوذ عظيم، ذلك إذا وضعنا فى الاعتبار أن السلطان كان يمنحهم جزءًا من الغنائم، ورواتب أخرى من اللحم والتوابل والعليق والزيت.

أساليب المماليك فى القتال

كانت شجاعة المماليك وفروسيتهم التى عُرفوا بها، وولاؤهم للأمير الذى يجلبهم، من أهم الأسباب لاستقدامهم من بلادهم، وكانت لهم خطوات دقيقة قبل الدخول فى أية معركة، وأهمها: عقد «مجلس الجيش» برياسة السلطان، وعضوية أتابك العساكر، والخليفة، وقضاة المذاهب الأربعة، وأمراء المائتين الذين بلغ عددهم أربعة وعشرين أميرًا؛ وكان الغرض من عقد هذا المجلس هو الاستنارة بآراء كبار رجال الدولة قبل الإقدام على الحرب، وجعل إعلان الحرب أمرًا مشروعًا، فإذا ما وافق المجلس على خوض الحرب؛ يأمر السلطان باستدعاء الجنود من مختلف جهات «مصر»، فيحلفون يمين الطاعة والولاء فى حضرته، ويتسلمون ما يلزمهم من عتاد الحرب من خزانةالسلاح التى كان يُطلق عليها اسم «السلاح خانة»، ثم يستعرضهم السلطان بنفسه وهو بلباس الحرب، وهو ما يعرف باسم «النفير»، فإذا مااستعرض السلطان الجند وتفقد أحوالهم وسلاحهم، اختار من كبار قواده قائدًا يسير على رأس الحملة الحربية، وقد جرت العادة أن يتخذ القائد مركزه فى القلب؛ حتى يراه جميع جنوده، وينفذوا أوامره، أو يتخذ مركزه فى المقدمة ليثير الحماسة فى نفوسهم، ويلقى الرعب فى قلوب أعدائه.

كان المماليك يأخذون فى حروبهم بطريقة قتال الصفوف التى يقف فيها الجندى بجانب زميله حتى يكاد يلتصق به كما يحدث فى صفوف الصلاة، ويسير الجنود على هذا النحو حتى يصلوا إلى حيث استقر العدو فينازلوه ويناجزوه، وكان الخليفة – أحيانًا – يصحب الجيوش فى حملاتهم ليحث الجنود على الجهاد، ويبث الروح الدينية فى نفوسهم.

اعتمد المماليك على الخيل فى حروبهم، لذا عنوا بها عناية فائقة، حتى صارت الفروسية فى عهدهم فنا عظيم الشأن، أفردوا لدراسته الكتب والرسائل العديدة التى مازالت موزعة بين خزائن المخطوطات فى العالم حتى الآن، وكذلك تعددت أسلحتهم الحربية، فكان منها:

«السيف»، و «الخنجر»، و «الطبر»، و «البلطة»، و «الفأس»، و «القوس»، و «السهم»، و «المقلاع»، و «المنجنيق»، «والدبابات ذات الخيول»، و «الصنبور»، و «القلاع المتحركة»، و «النار اليونانية»، وجعلوا لهذه الأسلحة على اختلاف أنواعها دارًا تحفظ وتخزن فيها أطلقوا عليها اسم: «الزرد خانة»، أو «السلاح خانة»، أى بيت السلاح، وجعلوا رئاسة هذه الدار لأحد أمراء المائتين، وأطلقوا عليه لقب: «أمير السلاح»، وجعلوا جماعة من الموظفين عُرفوا باسم «السلاح دارية» لمعاونة الأمير فى مهام عمله، وكذلك كان يعمل بالدار جماعة من الصناع عُرفوا باسم: «الزرد كاش»، ومعناها: صانع الزرد، لصناعة وصيانة الأسلحة، واختص كل منهم بنوع معين من أنواع السلاح.

لقد ظل المماليك محافظين على صنعتهم الحربية حتى بعد أن ضعفشأنهم باستيلاء العثمانيين على «مصر» سنة (1517م)، لأن هذه النظم هى التى جعلت لهم السبق فى الاهتمام بالجانب الحربى، وأهَّلتهم لخوض المعارك الطاحنة، ومكنتهم من بسط نفوذهم ومد سلطانهم على «مصر» والشام و «الحجاز»، و «اليمن»، و «جزر المتوسط»، ومع ذلك كانوا دائمًا يتطلعون إلى ترسيخ دعائم دولتهم، وتحديث نظمهم ومعداتهم الحربية لأنهم يعلمون جيدًا أن عدوهم متربص بهم من البر والبحر، فعمدوا إلى الاهتمام بالسلاح البحرى إلى جانب اهتمامهم بتدريب الجند وتوفير ما يلزمهم.

البحرية فى عهد المماليك

عندما آلت السلطة إلى سلاطين المماليك عمل «الظاهر بيبرس» منذ سنة (658هـ) على إعداد قوة بحرية قوية يستعين بها على صد الأعداء المتربصين بالبلاد من جهة البحر، فاهتم بأمر الأسطول، ومنع الناس من التصرف فى الأخشاب التى تصلح لصناعة السفن، وأمر بإنشاء الشوائى (وهى السفن الحربية ذات الأبراج والقلاع العالية للدفاع والهجوم) لكى تحمى «الإسكندرية» و «دمياط»، وكان السلطان يذهب بنفسه إلى دار صناعة السفن بالجزيرة ويشرف على تجهيز هذه الشوائى حتى تمكن فى النهاية من إعداد أسطول مكون من أربعين قطعة حربية، سَيَّرها إلى «قبرص» فى سنة (669هـ)، إلا أن هذا الأسطول هلك، فقام «بيبرس» بإنشاء أسطول آخر مما يدلل على المركز المالى القوى الذى تمتعت به دولة المماليك.

نسج الأشرف «خليل بن قلاوون» على منوال «الظاهر بيبرس» فى عنايته بالأسطول، فقد أنشأ أسطولا مكونًا من ستين مركبًا جُهِّزت بالآلات الحربية والرجال، وأقام احتفالا كبيرًا حضره الناس من كل مكان حين ذهب إلى استعراض هذا الأسطول فى دار صناعة السفن بجزيرة الروضة.

عُنى السلطان «الناصر محمد» بالأسطول مثلما فعل «بيبرس» و «خليل» من قبله، فأصبح لمصر أسطول من أقوى أساطيل هذا العهد، فقد كان يجمع بين «الشوائى»، و «الحراريق» (سفن حربية أقل من الشوائى)، و «الطرادات» (سفن حربية سريعة الحركة صغيرةالحجم)، و «الأغربة» (سفن حربية تشبه رءوسها رءوس الفرسان والطيور)، و «البطش» (سفن تحمل المجانق)، و «القراقر» (سفن تستخدم فى تموين السفن)، وليس أدل على مبلغ اهتمام المماليك بالقوة البحرية مما ذكره «المقريزى» حين وصف الاحتفال بإنزال الشوائى إلى البحر للسفر إلى «طرابلس» بقوله: «وفى المحرم من سنة 705هـ تبحرت عمارة الشوائى، وجهزت بالمقاتلة والآلات مع الأمير «جمال الدين أقوش الفاوى العلائى» والى «البهن»، واجتمع الناس لمشاهدة لعبهم فى البحر، فركب «أقوش» فى «الشيئى» الكبير، وانحدر تجاه المقياس، وكان قد نزل السلطان والأمراء لمشاهدة ذلك، واجتمع من العالم ما لم يحصهم إلا الله -تعالى- وبلغ كراء المركب الذى يحمل عشرة آلاف نفس مائة درهم، وامتلأ البران من «بولاق» إلى دار الصناعة حتى لم يوجد موضع قدم خالٍ، ووقف العسكر على بربستان الخشب، وركب الأمراء الحراريق إلى «الروضة»، وبرزت الشوائى للعب كأنها فى الحرب؛ فلعب الأول والثانى والثالث، وأعجب الناس بذلك إعجابًا زائدًا لكثرة ما كان فيها من آلات الحرب، ثم تقدَّم الرابع وفيه «أقوش» فما هو إلا أن خرج من منية الصناعة بمصر، وتوسط النيل. وإذا بالريح حركة، فانقلبت، وأنقذ الناس الشيئى، وأصلحوه، وسافروا بالشوائى لطرابلس، وليس أدل على اهتمام المماليك بأمر الأساطيل من اشتراك الأهالى مع الحكومة فى عرض الجيوش الحربية والأساطيل، والعمل على تقويتها وبناء سفن كثيرة، وقد أطلق الشعب على رجال الأسطول لقب:

«المجاهدون فى سبيل الله والغزاة فى أعداء الله» وكان الناس يتبركون بدعائهم تعظيمًا لهم».

وهكذا كانت عناية المماليك بالجيش، وكذلك كان اهتمامهم بالأسطول، وبذلك وصلت الأمة الإسلامية إلى ماوصلت إليه من مكانة سامية وشأن عظيم على أيديهم.

النظم الإدارية فى عهد المماليك

أهم الدواوين

تكون الجهاز الإدارى فى «مصر» والشام من عدة دواوين حكومية،يشرف كل منها على ناحية معينة من نواحى الإدارة العامة، وكانت أهم هذه الدواوين فى هذا العهد ما يلى: «ديوان الأحباس»، و «ديوان النظر»، و «ديوان الخاص»، و «ديوان الإنشاء».

أما «ديوان الأحباس» فيشبه وزارة الأوقاف فى وقتنا الحالى، ويتولى صاحب هذا الديوان الإشراف على المساجد والربط، والزوايا، والمدارس، والأراضى، والعقارات المحبوسة عليها، والإحسان إلى الفقراء والمعوزين.

و «ديوان النظر» يشبه وزارة المالية حاليًا، وترجع إليه سائر الدواوين فى كل ما يتعلق بالمسائل الخاصة بالمتحصل والمنصرف من أموال الدولة، وله فوق ذلك الإشراف على حساب الدولة، وأرزاق الموظفين الدائمين والمؤقتين، وكان هذا الديوان يتخذ من القلعة مقرا له.

وفى سنة (727هـ) أنشأ السلطان «الناصر محمد» «الديوان الخاص» لإدارة الشئون المالية التى تتعلق بالسلطان، ويتولى الإشراف عليه «ناصر الخاص» الذى عُرف من قبل فى عهد الفاطميين والأيوبيين، ولكنه لم يبلغ من الأهمية القدر الذى بلغه فى عصر المماليك خاصة فى عهد «الناصر محمد». أما ديوان الإنشاء فكانت أهم اختصاصاته تنظيم العلاقات الخارجية للدولة، وهو أول ديوان وُضع فى الإسلام، وقد نُظِّم فى عهد المماليك بأسلوب يتناسب مع مقتضيات العصر ومتطلباته، وكان مقره «قاعة الصاحب» بقلعة الجبل، حيث ترد المكاتبات إليه من جميع أنحاء الولايات والممالك التى بينها وبين بلاد المسلمين علاقات سياسية، كما كانت تحرر فيه الكتب التى كان يرسلها السلطان إلى الملوك والأمراء، وقد لُقب صاحب ديوان الإنشاء بألقاب عديدة فى أوائل عهد المماليك، فلقبوه تارة باسم: «صاحب الدست الشريف»، وأخرى باسم: «كاتب الدرج» وثالثة باسم: «كاتب الدست» وبقيت هذه تسميته إلى أن تولى «القاضى فتح الدين بن عبدالظاهر» هذا الديوان فى عهد السلطان «قلاوون» فتلقب بلقب «كاتب السر»؛ لأنه كان يكتم سر السلطان، وكانت وظيفته من أعظمالوظائف الديوانية وأجلِّها قدرًا، وكان له معاونون يساعدونه فى أداء ما عليه من التزامات وواجبات.

كان من أبرزهم: «نائب كاتب السر»، ثم يليه فى المرتبة كُتَّاب الدست المتصلون بديوان الإنشاء، وكانوا يجلسون مع كاتب السر بمجلس السلطان بدار العدل.

كانت هناك دواوين أخرى – فى العهد المملوك – أقل شأنًا من تلك الدواوين السابق ذكرها، مثل «ديوان الأهراء» (وهى شئون الغلال السلطانية)، و «ديوان الطواحين»، ويتولى صاحبه الإشراف على طحن الغلال، و «ديوان المرتجعات»، ويشرف صاحبه على الأمور الخاصة بتركات الأمراء، وكذلك كانت هناك دواوين أخرى ذكرها «القلقشندى» على أنها دواوين مستقلة، ولكنها لم تكن – فى حقيقة الأمر – سوى إدارات تتصل اتصالا مباشرًا بالقصر السلطانى، أو بأحد الدواوين الرئيسية السابقة، وذكر «القلقشندى» منها – مثلا – «ديوان الإصطبلات»، و «ديوان المواريث»، و «ديوان الخزانة» و «ديوان العمائر»، و «ديوان المستأجرات».

سارت دواوين الحكومة فى عصر المماليك على نسق واحد من حيث التنظيم الإدارى، فكان على رأس كل ديوان موظف كبير هو «ناظر الديوان»، وكانت مهام عمله تشبه إلى حد كبير ما يقوم به الوزير حاليا، ويليه فى المرتبة «مستوفى الصحبة»، و «مستوفى الدولة» ومهمتهما الإشراف على موظفى الدواوين المختلفة، ويلى هؤلاء طبقة الموظفين والكتاب وما يليهم.

البريد

كان البريد أحد أهم إدارات «ديوان الإنشاء»، إذ كان واسطة الاتصال بين دولة المماليك فى «مصر» ونياباتها فى الشام وغيرها من الأقاليم، ولم يقتصر المماليك على البريد العادى فى إرسال رسائلهم، بل عمدوا إلى استخدام الحمام الزاجل فى نقلها، وجعلوا القلعة مركزًا لأبراجه، كما أقاموا مراكز معينة فى جهات مختلفة لتكون مراكز للبريد البرى، وخصصوا لكل محطة منها عددًا من الحمام الزاجل، وجعلوا على رعاية شئونه عددًا من الموظفين المتخصصينفى ذلك، وكان فى كل محطة من هذه المحطات برج أو أكثر ليعيش فيه الحمام الذى سيقوم بنقل الرسائل إلى المحطة التالية، وقد عنى سلاطين المماليك عناية شديدة بما كانت تحمله هذه الحمائم من رسائل، لدرجة أن بعضهم أمر بإدخالها عليه حال وصولها، كما كان بعضهم يترك طعامه أو يستيقظ من نومه فى الحال عند وصولها.

وهكذا كان تنظيم الدواوين فى عهد الدولة المملوكية غاية فى الدقة، ومظهرًا من مظاهر الرقى الحضارى الذى وصلت إليه هذه الدولة بما صنعته وحققته، ومثلا من أمثلة المتابعة الدقيقة التى آل سلاطين هذه الدولة على أنفسهم أن يتخذوها فى مراقبة شئون الدولة؛ لتحقيق الاستقرار الداخلى، الذى ينعكس – بطبيعة الحال – على كل مناحى الحياة فى الدولة.

كبار الموظفين الإداريين

– الأتابك

«الأتابك» هو القائد العام للجيوش، وكلمة «أتابك» لفظة تركية مركبة من «أطا»، (وتعنى: أب) و «بك» (وتعنى: السيد أو الأمير) فيكون «الأتابك» هو: السيد الأب، أو الأمير الأب، أى أنه أبو الأمراء أو كبيرهم، وقد أُطلق هذا اللقب فى عهد المماليك على مقدم العساكر، أو القائد؛ لأنه يعتبر أبًا للعساكر والأمراء جميعًا، وكثيرًا ما خلع الأتابكة أبناء السلاطين من على العرش، واستولوا عليه وتولوه بدلا منهم.

– الوزير

تطور نظام الوزارة فى «مصر» فى عهد المماليك، ولم يتمتع وزراء هذا العصر بنفوذ مطلق؛ لاستقرار منصب «نائب السلطان» الذى استحدثه الأيوبيون وعمل به المماليك، وقد حرص «الظاهر بيبرس» على اختيار وزرائه من أرباب الأقلام والسيوف، فإذا كان الوزير من أرباب القلم أُطلق عليه اسم: «الصاحب» مضافًا إليه صفة الوزير فيصبح لقبه: «الصاحب الوزير» أو «وزير الصحبة»؛ وهو وزير متنقل يرافق السلطان فى أسفاره وحروبه، وتكون مهام وظيفته مقصورة على تسيير شئون الوزارة فى هذه الأثناء. أما إذا كان هذا الوزيرمن أرباب السيف اكتفى بتلقيبه بالوزير دون الصاحب، ويُعدُّ – بهذا – الوزير الأصلى الذى يحضر مجالس السلطان مع أمراء المائتين، وله حق التصرف فى جميع أمور المملكة.

كان الوزير يتقاضى راتبًا شهريا قدره مائتان وخمسون دينارًا، عدا ما خصص له كل يوم من مقادير وفيرة من الغلال واللحوم والخبز وسائر ما يحتاج إليه، وقد ألغى السلطان «الناصر محمد» منصبى «الوزير» و «نائب السلطان» فى آنٍ واحد فى سنة (727هـ).

– والى القاهرة

استلزمت شئون الإدارة تعيين موظف كبير يُعدُّ فى الواقع من أهم الموظفين الإداريين عرف باسم: «والى القاهرة»، فهو الذى ينفذ الأحكام ويقيم الحدود، ويتعقب المفسدين، ومثيرى الفتن، ومدمنى الخمر، ويعاقب كلا منهم على حسب جريمته، كما كانت عليه مراقبة أبواب «القاهرة»، والطواف بأحياء التجارة والمال فيها، لذا أُطلِق عليه أحيانًا: «صاحب العسس» أو «والى الطواف»، واقتصر نفوذه على العاصمة وضواحيها.

– ولاة الأقاليم

كانت فئة من الموظفين هى التى تشرف على كل عمل من أعمال الوجهين البحرى والقبلى بمصر، وكان على رأس هذه الفئة «والى الإقليم»، الذى يمثل الإدارة المحلية، وكانت مهمته تتركز فى العمل على استتباب الأمن والنظام، والمحافظة على أموال الناس وأرواحهم فى الإقليم الذى أوكلت إليه إدارته.

– أمير جاندار:

هى وظيفة إدارية تطلبتها ظروف هذا العصر، وكان على «أميرجاندار» أن يقوم بتنظيم إدخال الناس على السلطان وهو جالس بإيوانه بقلعة الجبل.

– الحاجب:

كان على «الحاجب» أن يقوم بما يقوم به «أميرجاندار» على أن يراعى مقامات الناس، وأهمية أعمالهم، وقد عظمت أهمية الحاجب فى العصر المملوكى.

– الدوادار

هو الرجل الذى يتولى أمر تبليغ الرسائل إلى السلطان، كما يقوم بتقديم المنشورات إليه للتوقيع عليها.

لقد كان نظام الإدارة فى عهد المماليك نظامًا دقيقًا قويا، تطلَّباختيار موظفين من أصحاب المواهب الفريدة والخبرات المتميزة فى تخصصاتهم، فنجحت سياسة الدولة المملوكية فى تسيير شئون البلاد، وتيسير مصالح الناس وحاجاتهم إلى حد كبير.

النظام القضائى

تعهد «الظاهر بيبرس» النظام القضائى بالإصلاح والتعديل، ورأى فى تقسيم مناصب القضاء بين قضاة المذاهب الأربعة ما يضمن العدالة بين الناس، والتيسير عليهم، فقد عين فى سنة (663هـ) أربعة قضاة يمثلون المذاهب الأربعة، وكتب لكل منهم تقليدًا، وأجاز لهم أن يولوا نوابًا عنهم فى أنحاء البلاد.

امتد اختصاص قاضى القضاة، وقضاة الأقاليم، وزاد نفوذهم، وامتد فتناول النظر فى الدعاوى التى تتضمن إثبات الحقوق والحكم بإيصالها إلى أصحابها، كما نظر فى الأموال التى ليس لها ولى معين، وكذلك تناول تعيين أوصياء لليتامى، وتفقد أحوال المحجور عليهم من المجانين والمفلسين وأهل السفه، ونظر -أيضًا – فى وصايا المسلمين، وكان القضاة ينظرون فى مصالح الأوقاف، ويعملون على حفظ أصولها وتثبيت فروعها، وقبض ريعها وإنفاقه فى مصاريفه، وكذلك كانوا يقبضون المال الموصى به لتنفيذ الوصية، وعهد إليهم بتسلم أموال المواريث المتنازع عليها، وأموال مَنْ يموتون غرباء وحفظها حتى يحضر ورثتهم.

وانحصرت سلطة القضاة الأربعة ونوابهم على المدنيين، بينما كان للجيش المملوكى ثلاثة قضاة عُرف كل منهم باسم: «قاضى العسكر»، واختصوا بشئون العسكر للفصل فى القضايا الخاصة بهم، أو التى بينهم وبين المدنيين، وكانت جلسات القضاء فى دولة المماليك تعقد علانية ويحضرها مَنْ شاء من الناس، وكانت المساجد مكان انعقاد هذه الجلسات، كما كانت دور القضاء الخاصة مكانًا لها أحيانًا؛ إذا لم يكن هناك دور معينة لانعقادها، فإذا جلس القاضى للفصل فى الخصومات رتب القضايا بحسب حضور الخصوم؛ حتى لا يتقدم أحد على الآخر لمكانته أو ثرائه، وكان يستعين على تنظيم قاعة الجلسةبعدد من الموظفين منهم: «الجلواز»، و «الأعوان»، و «الأمناء»، و «العدول»، فكان الرجال يجلسون فى جانب والنساء فى الجانب الآخر. وقد بلغ راتب القاضى خمسين دينارًا شهريا، عدا ما كان يحصل عليه من الأوقاف التى كان يتولى إدارتها، بالإضافة إلى ما كان يجرى عليه من الغلال والشعير والخبز واللحم والكساء.

كان تنظيم القضاء فى دولة المماليك تنظيمًا دقيقًا، وبرز فى هذه الدولة قضاة عرفوا بالنزاهة وطهارة الذمة وحسن السيرة، احترموا مركزهم القضائى، ولم يقبلوا تدخل أحد – مهما يعلُ مركزه – فى أعمالهم، وكثيرًا ما كانوا يطلبون إعفاءهم من مناصبهم – دون تردد – إذا ما حاول أحد تهديد كرامتهم، أو الاعتداء من قريب أو بعيد على استقلالهم، فقد كانوا لا يقبلون الرشوة ولا الهدية، لذا أصبحت لهم مكانتهم الكريمة ومقامهم المرموق فى الدولة، وفى نظر السلاطين والأمراء، وجميع طبقات الشعب، ولعل أبرز الأمثلة للتدليل عليهم:

«القاضى عبدالعزيز»، المعروف بعز الدين بن عبدالسلام (سلطان العلماء)، و «القاضى تقى الدين عبدالرحمن الشافعى» ابن بنت «الأعز»، و «القاضى تقى الدين محمد بن دقيق العيد»، وغيرهم، فقد كانوا أمثلة عظيمة وواضحة لما يجب أن يكون عليه القاضى العادل والشريف.

الإفتاء

يلى القضاة فى الأهمية «مفتو دار العدل»، وقد كانوا أربعة يمثلون المذاهب الإسلامية الأربعة، ولم تكن فى سلطتهم الفصل فى الخصومات سواء أكانت بين المدنيين أم بين العسكريين أم بين العسكريين والمدنيين، بل كانت مهمتهم شرح وتبيين حكم الشرع فيما يُسألون عنه من المسائل الفقهية، كل حسب مذهبه.

المحتسب:

كانت مهمة المحتسب النظر فيما يتعلق بالجنايات والنظام العام، وكان عليه الفصل فيها على وجه السرعة، وقد عهد إليه بالإشراف على نظام الأسواق، وكان له نواب يطوفون فيها ويفتشون أماكنها، ويشرفون على السَّقَّائين للتأكد من نظافتهم، وتغطيتهم القرب،ولبسهم السراويل، كما كان على المحتسب ونوابه الحيلولة دون بروز الحوانيت (الدكاكين) حتى لا تعوق نظام المرور بالشوارع، وكذلك عليهم الإشراف على نظافة الشوارع والأزقة، والحكم بهدم المبانى المتداعية للسقوط وإزالة أنقاضها، وكذلك الكشف على صحة الموازين والمكاييل، التى كانت لها دار خاصة تُعرف باسم: «دار العيار»، فكان المحتسب يطلب جميع الباعة إلى هذه الدار فى أوقات معينة ومعهم موازينهم ومكاييلهم ليتأكد بنفسه من ضبط عيارها، فإن وجد بها خللا صادرها وألزم صاحبها بإصلاحها أو شراء غيرها.

وقد ارتقى نظام الحسبة وشمل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.

صاحب المظالم

كان «الظاهر بيبرس» أول من جلس للمظالم من سلاطين المماليك، وهو الذى أقام دار العدل فى سنة (661هـ)، وقد خصص يومى الاثنين والخميس من كل أسبوع ليجلس فيهما للفصل فى القضايا المهمة، ويحيط به قضاة المذاهب الأربعة، وكبار الموظفين الإداريين والماليين، وكاتب السر.

وظلت دار العدل مقرا لمحكمة المظالم – التى كانت تعقد جلساتها برئاسة السلطان – حتى جاء السلطان «قلاوون» وبنى الإيوان الخاص، واتخذه مقرا لهذه المحكمة فى سنة (679هـ)، ولم تكن محكمة المظالم تنظر فى قضايا الأفراد فحسب، بل كانت تنظر فى شكاوى الناس كافة، ويذكر «المقريزى» أن السلطان «بيبرس» عُرضَت عليه فى سنة (662هـ) قضية رجل من عِلْية القوم وذكر فيها أن «المعز أيبك» قد اغتصب منه بستانًا، وقدم ما يثبت ملكيته لهذا البستان، فأمر «بيبرس» برد البستان إليه. وقد قام «بيبرس» بخفض ثمن الغلال فى سنة (663هـ) بعد أن ارتفع ثمنها، ولذا تميز النظام القضائى فى عهد المماليك بالحيدة والنزاهة وتحقيق العدل بين الرعية.

المنشآت الحضارية فى عهد المماليك

حفلت كتب التاريخ التى تناولت عهد المماليك بذكر الآثار التى خلَّفها هذا العصر، والتى مازال معظمها شاهد صدق على مدى عظمة هذهالدولة حتى الآن، فقد تقدمت فنون البناء والعمارة والزخرفة، وتوافرت الأموال اللازمة لها خلال هذا العهد المجيد من تاريخ العالم الإسلامى، فقد قام «الظاهر بيبرس» ببناء مسجده، المعروف باسمه بميدان الظاهر بالقاهرة فى عام (665هـ)، وجلب لبنائه الرخام والأخشاب وأدوات البناء من سائر البلاد، وزيَّنه بزخارف الجص، فأصبح مثالا للمساجد الكبيرة الضخمة التى شُيدت فى عهد دولة المماليك البحرية. كما قام «بيبرس» ببناء برج لقلعة الجبل، وشيد «قناطر السباع» على «الخليج المصرى»، وقد عُرفت هذه القناطر بهذا الاسم؛ لأن «بيبرس» نصب عليها سباعًا من الحجارة، كما أصلح منارتى «رشيد» و «الإسكندرية».

أما السلطان «قلاوون» فقد أنشأ القبة التى دُفِن تحتها، كما أنشأ مسجده ومدرسته، ومارستانه الذى عُرف بمستشفى «قلاوون»، ثم يأتى ابنه «السلطان الناصر محمد ابن قلاوون»، وكان شغوفًا بسياسة أبيه فى الإنشاء والبناء، فشيد «المدرسة الناصرية» (بحى النحاسين)، وعين بها مدرسين للمذاهب الأربعة، وألحق بها مكتبة حافلة بنوادر الكتب وأمهاتها، ولاتزال هذه المدرسة باقية بحالة جيدة حتى اليوم، وكذلك بنى «الناصر محمد» «القصر الأبلق» بقلعة الجبل، وسُمى بذلك لأنه بنى من الحجر الأبيض والحجر الأسود، وفى سنة (718هـ) شيد «الناصر» مسجده بالقلعة، ثم هدمه فى سنة (735هـ) ليعيد توسيعه وبناءه من جديد، وقام بتجديد بناء المارستان الكبير الذى أسسه والده «قلاوون»، وأنشأ «خانقاه» (بيت لفقراء الصوفية) فى «سرياقوس» من ضواحى «القاهرة» فى سنة (723هـ)، (أصبحت «سرياقوس» اليوم تابعة لمركز «الخانكة» بمحافظة «القليوبية»)، وقد شيد «الناصر» سبيلا ألحقه بجوار مدرسته وجامع أبيه «قلاوون»؛ لأنهما متجاوران.

ولعل أعظم إنشاءات دولة المماليك البحرية ما قام به السلطان «حسن بن الناصر محمد بن قلاوون» حين أنشأ مسجده ومدرسته بالقرب من القلعة.

منشآت دولة المماليك البرجية

ازدادت المنشآت فى عصر دولة المماليك البرجية، ولعل أفضل مثال على منشآت ذلك العهد ماقام به «الأشرف برسباى» للعمارة الإسلامية، فقد قام بتأسيس عدة مبانٍ كان أهمها مدرسته الأشرفية التى عند «سوق الوراقين» بالقاهرة، إذ رسم حدودها فى سنة (826هـ) وعين «الشيخ علاء الدين ابن الرومى الحنفى» أستاذًا لها، ثم أتم بناءها فى سنة (829هـ)، وكذلك قام «برسباى» بإنشاء مدرسة بجوار «خانقاه سرياقوس» فى سنة (841هـ)، وكانت هذه المدرسة مجمعًا دينيا يشمل: مدرسة، وكُتَّابًا، وسبيلا، وخانقاه للصوفية، وكان القاضى «محب الدين بن رسول الكرادى» الحنفى، المعروف بابن الأشقرت، أحد الذين تولوا أمر المدرسة والخانقاه فى سنة (863هـ).

كذلك أقام «برسباى» مسجدًا وتربة وزاوية بالصحراء، ولم يكن وحده هو الذى فعل ذلك، فقد كان أغلب سلاطين المماليك يحرصون على بناء مسجد ومدفن لكل منهم فى الصحراء بشرق «القاهرة»، ذلك إضافة إلى ما يقومون به من منشآت فى أرجاء البلاد، مثلما فعل «بيبرس» حين أقام «قنطرة المجذوب» بأسيوط، وجدد «الحرم الشريف» بمكة، و «الجامع الأزهر» بمصر. ويُعدُّ «قايتباى» أشهر سلاطين المماليك البرجية شغفًا بالبناء والعمران، إذ أنفق مائة ألف دينار على إعادة تشييد «مسجد المدينة المنورة» بخلاف ما أنفقه على تشييد وبناء مسجده، وبناء «قلعة الإسكندرية» المعروفة باسمه، وكذلك أقام مبانى جديدة بقلعة الجبل، وقام «السلطان الغورى» من بعده بتحصين «الإسكندرية» و «رشيد».

ويعد عصر المماليك- بحق – أحد العصور الذهبية فى تاريخ العمارة الإسلامية، فقد كان الإقبال غظيماً على تشييد المساجد والمدارس والأضرحة، والاهتمام بالمهارات الفنية والزخرفية، والعمل على إتقان بناء المنارات والقباب وواجهات المنشآت والإيوانات والأعمدة وزخرفتها، وزخرفة المدارس والمساجد من الداخل والخارج، وقد كانت العناية بزخرفة وتجميل كل ذلك إحدى سمات هذا العصر.

النهضة فى مجال العلوم والآداب

لاشك أن المؤسسات العلمية التى أنشأها المماليك نهضت بمستوى العلم وتقدمه فى عهدهم، وأبرزت نخبة من ألمع العلماء فى مختلف مجالات الثقافة والعلوم، فكان منهم الفقهاء: شيخ الحنابلة «أحمد بن تيمية»، ومن المؤرخين: «أبو الفدا» صاحب «التاريخ والسير»، و «المقريزى المصرى» صاحب «الخطط» و «السلوك»، و «ابن خلكان» صاحب «وفيات الأعيان»، كما كان من كُتَّاب السير الطبيب الشهير «ابن أبى أصيبعة»، الذى درس بدمشق و «القاهرة»، ثم وضع تراجم للأطباء فى مؤلفه: «عيون الأنباء»، وكذلك كان «ابن إياس» صاحب «بدائع الزهور»، و «القلقشندى» صاحب «صبح الأعشى»، ومن الشاميين نجد المؤرخ «شمس الدين الدمشقى» صاحب «نخبة الدهر فى عجائب البر والبحر»، و «ابن فضل الله العمرى»، الذى شغل منصب «صاحب الخاتم» فى بلاط المماليك بالقاهرة، وهو صاحب كتاب: «مسالك الأبصار فى ممالك الأمصار»، ولقد عاش «عبدالرحمن الجبرتى» أشهر علماء التاريخ فى بلاط المماليك، ويعد «ابن خلدون» واضع علم الاجتماع ومؤسس فلسفة التاريخ، وهو صاحب كتاب:

«العبر وديوان المبتدأ والخبر»، وقد وضع فى مقدمته لهذا الكتاب أسس كتابة التاريخ التى اشتهرت شهرة واسعة النطاق فى أنحاء العالم.

وهكذا برزت -خلال عهد المماليك – جماعة من أفضل علماء المسلمين فى التاريخ الإسلامى، وشجعهم على ذلك اهتمام سلاطين المماليك بالعلم والعلماء.

وإن نظرة واحدة فى حُجة أحد سلاطين هذه الدولة لتظهر لنا مدى ما وصل إليه هؤلاء من حب وتقدير للعلم والعلماء والمتعلمين، وقد حرص «الأشرف برسباى» فى حُجته على تعيين المشايخ لمدرسته، وقام بوقف الأراضى لكى يُنفق من إيرادها على التعليم، وكذلك على المتعلمين الذين أنفق عليهم بسخاء، فخرج منهم العلماء والفقهاء والأئمة فى مختلف المجالات والتخصصات والمذاهب، وأصبح هذا العمل مفخرة لهذا العصر، وسببًا من أهم أسباب تقدم المسلمينوتفوقهم فى مجالات العلوم والحضارة. وبعد:

فقد عاش المماليك فى بلاد المسلمين واتخذوا منها مواطن لا يعرفون غيرها، فأنشئوا بها حضارتهم الخاصة التى تفوقت على حضارات الأمم الكبيرة آنذاك، والتى مازالت آثارها باقية حتى اليوم، شاهد صدق على حب هؤلاء المماليك لهذه البلاد، ودليلا قاطعًا على عظمة سلاطينهم، فمازالت «القاهرة» مليئة بالآثار التى تركها المماليك، والتى تدل على مدى التقدم الرائع لهذا العصر فى الفنون جميعها، وبخاصة الزخرفة التى لا يخلو منها مسجد أو قبة أو مدرسة من آثارهم، ولاشك أن ذلك يعود إلى اهتمام سلاطين هذه الدولة بهذه الفنون، وبتوفير التمويل المالى اللازم لتنفيذها.

– الحالة الاقتصادية فى عهد سلاطين المماليك

مما لاشك فيه أن الحالة الاقتصادية لأية أمة من الأمم تمثل العمود الفقرى لها، فإذا كان الاقتصاد قويا وأحسن استغلاله فى تيسير حاجات البلاد، وبناء نهضتها، وتشييد حضارتها؛ كان ذلك مدعاة إلى التقدم والازدهار فى جميع المجالات، ووقوف البلاد فى صفوف الأمم المتقدمة ذات السيادة العالمية. أما إذا كان اقتصاد أى بلد عكس ذلك، فإنه يكون مدعاة للظلم والقهر والسلب، وخذلان البلاد ووقوفها فى ذيل قائمة البلاد المتقدمة، منتظرة قراراتها فى تسيير أمورها وشئونها الخاصة، ولا تتوافر لهذه الأمم الضعيفة القدرة على اتخاذ القرار فيما يخصها، وتصبح فريسة للتدخل الأجنبى، وطمع المستعمرين، ولقد كان المماليك من القوة الاقتصادية لدرجة أن دولتهم بلغت حدا من الثراء لم تؤثر عليه الحروب العديدة التى خاضوها، بالإضافة إلى الإنشاءات والإصلاحات التى قامت بها فى طول البلاد وعرضها؛ إذ تعددت مصادر الثروة التى زخرت بها خزائن المماليك، فبالإضافة إلى ضرائب الخراج، والتركات التى لا وارث لها كانت هناك مصادر أساسية وثابتة لزيادة موارد الدولة؛ إذ اهتم المماليك بالزراعة والصناعة والتجارة، وأقاموا مقاييس للنيل،وطهروا الترع، وأنشئوا الجسور ونظموا الرى وحسَّنوا وسائله، كما اعتنوا بصناعة المنسوجات، ونشطوا فى اكتشاف واستخراج المعادن، التى كان من أهمها: «الزمرد» و «الشب» و «النطرون»، فكان «الشب» يُستخرج من الوجه القبلى والواحات، ويُحمل إلى «قوص» أو إلى «أسيوط» و «أخميم» و «البهنسا»، ثم ينقل منها عن طريق النيل إلى «الإسكندرية» وفيها يباع للأوربيين، وخصصت الحكومة ثلث ثمنه لدفع رواتب الأمراء، ولتوفير بعض احتياجات الجيش الكثيرة؛ لكثرة حروبهم فى ذلك الوقت.

وكانت التجارة – بحق – أعظم مصادر الثروة فى العهد المملوكى؛ إذ قاموا بتشجيعها، وعقدوا المحالفات والاتفاقات التجارية مع إمبراطور «القسطنطينية»، وملوك «إسبانيا»، وأمراء «نابلس»، و «جنوة»، و «البندقية» وسلاجقة «آسيا الصغرى»، وكاد المماليك أن يحتكروا تجارة «الهند» – خاصة التوابل – بالاتفاق مع أمراء الموانئ الإيطالية، فكان لذلك أكبر الأثر فى نمو ثروات البلاد وزيادتها، خاصة بعد أن بسط المماليك سلطانهم على «مكة» و «جدة»، وأصبحت «مكة» من أشهر الأسواق التجارية فى الشرق فانتعشت حالة البلاد الاقتصادية وازدهرت، ويدل على ذلك كثرة الإنشاءات المعمارية والتجهيزات الحربية فى ذلك الحين، إلا أن لحالة الركود – التى كانت تصيب الاقتصاد أحيانًا نتيجة لظروف القلق وما يصاحبها من السلب والنهب – أثراً على خزينة الدولة، ومع ذلك لم يكن تأثيرها خطيرًا؛ لأن الدولة سرعان ما كانت تتدارك الأخطاء وتعالج العيوب، وتعمل على سد النقص فى اقتصادها، ولعل أخطر الأحداث الاقتصادية التى كان لها أكبر الأثر فى سقوط دولة المماليك هو تحول طرق التجارة بين «أوربا» و «الشرق» عن طريق «مصر» إلى طريق «رأس الرجاء الصالح» الذى اكتشفه «فاسكو دى جاما» البرتغالى سنة (1498م)، فأحدث هذا الاكتشاف انقلابًا خطيرًا فى عالم التجارة، وكارثة حقيقية على دولة المماليك التى كانت تعتمدبصورة كبيرة على التجارة التى تحولت من حوض «البحر الأبيض المتوسط» إلى «المحيط الأطلسى» ونضبت خزائن «مصر» من الأموال التى كانت تأتيها من تجار «البندقية» و «جنوة»، الذين كانوا ينقلون تجارتهم من «الشرق» إلى «أوربا» عن طريق «مصر» ويدفعون لها الضرائب عن دخول تجارتهم وخروجها منها، فكان لذلك أثره على كساد التجارة والزراعة، ولم تعد «مصر» تنتج للأسواق الخارجية كثيرًا، فقلت موارد البلاد، وتهددتها المجاعات، وانحط شأن «الإسكندرية»، وقل عدد الأجانب بها، وتأخرت الصناعات الحيوية، وتدهورت الحالة الفنية؛ لقلة الأموال اللازمة، فهيأ هذا الوضع الفرصة للسلب والنهب الذى قام به بعض أفراد المماليك، فدب الضعف فى أوصال الدولة، وبدأت تأخذ طريقها إلى الضعف والتلاشى؛ لأن موارد البلاد لم تعد كافية لسد احتياجاتها الضرورية، وزاد الأمر سوءًا فى نهاية عصر المماليك إذ كثرت الدسائس والمؤامرات، وحوادث السلب والنهب، وتعرضت «مصر» للمجاعة والاضطراب فى عهد «السلطان برقوق» و «السلطان شيخ المؤيد» و «السلطان قايتباى»، وزادت الاضطرابات فى أنحاء البلاد، ولا تكاد تستقر حتى تعود إليها الفوضى ثانية؛ بسبب الفتن التى زادت حدتها فى عهد المماليك البرجية على وجه الخصوص، لدرجة أن «فايربك» أحد أمراء المماليك البرجية هو الذى ساعد العثمانيين – بخيانته – على الدخول إلى «مصر» والشام، وهذا دليل قاطع على مدى التدهور والضعف اللذين وصلت إليهما الدولة فى آخر أيامها.

لقد انتهت دولة المماليك بعد أن ظلت مدافعة عن العالم الإسلامى حقبة دامت أكثر من قرنين ونصف القرن، شهد العالم الإسلامى خلالها حضارة زاهرة مازالت آثارها باقية حتى الآن، ونعم المسلمون فيها بالرخاء والعزة والعدل والطمأنينة، إذ عُرف المماليك بالعدل وحب العمران، كما عرفوا بمهاراتهم الفائقة فى الفروسية والقتال، فهم الذين ردوا المغول ودحروا الصليبيين، وتاريخهم المجيد يشهد لهمبذلك، وعلى الرغم مما حدث من هنات فى بعض فترات حكمهم، فإن الحكم النهائى على أية دولة لا يكون إلا على ما خلَّفته، ومما لاشك فيه أن المماليك قاموا بدور لا يمكن تجاهله أو نسيانه، وخدموا المسلمين فى كل مكان على الأرض، وأنشئوا حضارة راسخة، وشجعوا العلم والعلماء والمتعلمين، وكونوا جيشًا قويا، وبنوا أسطولا عظيمًا، وساعدوا الفقراء والمحتاجين، وشيدوا المدارس والجوامع والأسبلة والقلاع والمستشفيات والقصور، وعاشوا مع أهل البلاد فى وئام وسلام، وذابوا فى وحدة العالم الإسلامى، وبنوا له حضارته، ودافعوا عن أرضه، ورفعوا من شأنه، وأخذوا بيده إلى القمة فى صدر صفوف دول العالم المتقدمة آنذاك.

السابق
الدولة الفاطمية
التالي
اليمن