المسلمون في أفريقيا جنوبي الصحراء

الإسلام والعروبة فى سودان وادى النيل

لم تكن بلاد «السودان الشرقى» (النيلى) أو «سودان وادى النيل» مجهولة للعرب قبل الإسلام، فقد مخرت سفنهم عباب البحر الأحمر حتى وصلوا إلى الشاطئ الإفريقى ومنه إلى «السودان» و «الحبشة»، فضلا عن الطريق البرى عبر «سيناء» إلى «مصر»، ومنها جنوبًا إلى «السودان»، والطريق البحرى عبر «باب المندب» إلى «الحبشة» ومنها إلى «السودان»؛ كل ذلك بهدف التجارة بين هذه البلدان وبين عرب «اليمن» و «الحجاز»، وبظهور الإسلام وانتشاره فى «مصر» أصبح وادى النيل معبرًا جديدًا للعرب والإسلام إلى بلاد «السودان النيلى» سلكته الجيوش والقبائل العربية، إما بقصد الغزو والفتح وإما بقصد التسرب السلمى بغرض الإقامة ونشر الإسلام بين أهالى هذه البلاد.

وكانت هناك مملكتان مسيحيتان فى «السودان النيلى»، هما مملكة «مقرة» أو «دنقلة» أو «النوبة» فى شمالى هذا السودان، ومملكة «علوة» فى وسطه، وكانت هذه الممالك تقف فى وجه انتشار الإسلام، وأمام جهود المسلمين للدخول إلى «السودان النيلى» من ناحية «مصر، ولهذا كان انتشار الإسلام يتوقف على إضعاف هذه الدول أو القضاء عليها.

وبدأ اللقاء الأول بين هذه الدول المسيحية وبين المسلمين منذ وقت مبكر، فقد أرسل «عمرو بن العاص» – رضى الله عنه – والى «مصر» بعض جنده إلى «بلاد النوبة» عام (21هـ = 642م)، لكنه لم يتمكَّن من فتحها، ثم غزاهم «عبدالله بن سعد بن أبى السرح» والى مصر عام (31هـ = 651م)، ووصل فى زحفه حتى «دنقلة» عاصمة مملكة «مقرة» المسيحية، وعقد معهم صلحًا عُرِفَ باسم «البقط»، وتدل نصوص هذا الصلح على أنه يهدف إلى التسامح الدينى وحسن الجوار، ولايعكس تبعية «دنقلة» لمصر الإسلامية، أى لم يكن فى حقيقته إلا تأمينًا للنواحى الاقتصادية والتجارية والدينية، وتشجيعًا للتبادل التجارى، وإقرارًا للسلام على الحدود المشتركة؛ ولذلك ظلتهذه المعاهدة سارية المفعول أكثر من ستمائة سنة. …

ويلفت النظر فى هذه المعاهدة اشتراط «عبدالله بن سعد» على النوبيين أن يحافظوا على المسجد الذى بناه المسلمون فى «دنقلة»، ويحموا التجار المسلمين، وغيرهم ممن يطرقون بلادهم، وهذا يؤكد حرص «عبدالله بن سعد» على أن يظل الطريق مفتوحًا خلال مملكة «مقرة» إلى الجنوب؛ حيث توجد مملكة «علوة» التى يمكن نشر الإسلام بها عبر التجار والمسافرين من المسلمين.

وأثناء انصراف «عبدالله بن سعد» من «النوبة» تعرض له «البجة» أو «البجاة»، ويبدو أنه لم يصطدم بهم لهوان شأنهم فى نظره، لأنه لم يكن لهم ملك يمكن الرجوع إليه، وكانت أوطان هذا الشعب تمتد فى الصحراء الشرقية بين «النيل» و «البحر الأحمر» من حدود جنوب «مصر» فى الشمال إلى حدود «الحبشة» فى الجنوب، وقد أغاروا على صعيد «مصر» سنة (107هـ = 725م) فصالحهم «عبيد الله بن الحبحاب» والى «مصر»، وكتب لهم عقدًا بذلك.

وعندما أغاروا على «أسوان» بعد ذلك جرَّد لهم الخليفة «المأمون» عام (216هـ = 831 م) جيشًا بقيادة «عبدالله بن الجهم»، وانتهى الأمر بعقد صلح جديد بينه وبين ملكهم «كنون بن عبدالعزيز»، ومن أهم شروطه أن تكون بلاد «البجة» من حدود «أسوان» إلى ما بين «دهلك» و «مصوع» ملكًا للخليفة، وأن يكون «البجة» وملكهم أتباعًا له، مع بقاء هذا الملك فى منصبه ويتعهدون بعدم منع أى مسلم من دخول بلادهم بقصد التجارة أو الإقامة أو الحج، وأن يؤدى ملك «البجة» ما عليه من الخراج.

وهكذا فتحت هذه المعاهدة البابَ أمام الهجرات العربية لاجتياز مملكة «مقرة» دون الإقامة بها، فى طريقها إلى وسط «السودان النيلى» أو ما عرف باسم «مملكة علوة» بينما سمحت المعاهدة مع «البجة» للهجرات العربية بالاستقرار والإقامة فيما بين حدود «مصر» الجنوبية وحتى «مصوع»، وبهذا أصبح الباب مفتوحًا للإسلام والثقافة العربيةللتوغُّل فى وسط «السودان النيلى» وحتى حدود «الحبشة» الشمالية.

وقد أثَّرت أحداث العالم الإسلامى؛ وخاصة الصراع بين الأمويين والعباسيين، وظهور العناصر الأخرى من الفرس وغيرهم على المسرح السياسى واستبدادهم بالسلطة والنفوذ، فى هجرة الكثير من القبائل العربية إلى الجنوب، وقد انتهزت تلك القبائل فرصة الحملة التى أعدَّها «أحمد بن طولون» والى «مصر» إلى أرض «النوبة» و «البجة» فاشترك فيها كثير من العرب وخاصة من «ربيعة» و «جهينة»؛ حيث استقروا فى هذه المناطق ونشروا الإسلام واختلطوا بالنوبة و «البجة».

وقد حرص رؤساء العرب على التزوُّج من بنات «البجة» و «النوبة»؛ مما أدَّى إلى انتقال الرئاسة إليهم وفقًا لنظام الوراثة عن طريق الأم، وقد استطاعوا إقامة أول إمارة إسلامية عربية كان مقرُّها فى «أسوان» فى عهد الفاطميين، وخلع الخليفة «الحاكم بأمر الله الفاطمى» على أمير «ربيعة» لقب «كنز الدولة» فعرف «بنو ربيعة» فى «أسوان» و «النوبة» ببنى كنز، واستطاع هؤلاء أن يصاهروا البيت المالك النوبى فى «دنقلة»، وتبعًا لذلك انتقل الحكم هناك إلى «بنى كنزة» وأعلنوا استقلالهم عن الدولة المملوكية فى «مصر» سنة (723هـ = 1323م).

وبذلك ظهرت أول إمارة إسلامية فى بلاد «السودان الشرقى»، وتدفقت موجات من العرب ولاسيما من عرب «جُهَينة» إلى داخل «السودان» حتى بلاد «الحبشة» و «دارفور»، واستقر كثير منهم فى أرض «مملكة علوة» المسيحية وأسَّسوا مدينة «أربجى» على الشاطئ الغربى من النيل الأزرق عام (879هـ = 1474م) ومع توالى الهجرات العربية إلى مملكة «علوة» وازدياد نفوذها، عمل ملوك «علوة» على استمالتهم بالمصاهرة، فانتقل الحكم إلى «جهينة» عن هذا الطريق، كما حدث فى مملكة «النوبة» من قبل، وخاصة بعد أن تحالف هؤلاء العرب مع «الفونج» القادمين من الجنوب، وقضوا على مملكة «علوة» نهائيا فى مستهل القرن السادس عشر الميلادى وبذلكانتهت ممالك «النوبة» أو ممالك «السودان الشرقى» (النيلى) المسيحية، وبدأ عهد جديد فى تاريخ تلك البلاد ظهرت فيه عدة ممالك أو سلطنات إسلامية

السابق
الإسلام والسلطنات الإسلامية فى منطقة الساحل الشرقى لإفريقيا
التالي
الطابع الإسلامى والثقافة العربية فى غرب إفريقيا