عصر النبوة والخلافة الراشدة

ما بعد فتح مكة

1 – غزوة حنين والطائف:

بعد فتح «مكة» بدأ الرسول – صلى الله عليه وسلم – يرتب أمورها، فعين لها واليًا من قبله، هو «عتاب بن أسيد»، ومعلمًا يعلم أهلها شرائع الإسلام هو «معاذ بن جبل»، ولكن بعد أقل من أسبوعين من ذلك الفتح العظيم وصلت إلى النبى – صلى الله عليه وسلم – أخبار بأن قبائل «هوازن» و «ثقيف» قد جمعت جموعها فى وادى «حنين» بين «مكة» و «الطائف» لمحاربته؛ لظنهم أن ذلك الفتح وعلو شأن الرسول – صلى الله عليه وسلم – خطر عليهم، ولا شك أنهم كانوا فى ذلك مخطئين، فالإسلام ليس خطرًا عليهم ولا على غيرهم، بل هو رحمة وعدل وعزة وكرامة لهم وللعرب وللعالم أجمع.

أمر النبى – صلى الله عليه وسلم – الجيش بالتأهب لمواجهتهم فى أوائل شهر شوال سنة 8هـ، وكان يضم اثنى عشر ألفًا بعد أن انضم إلى جيش الفتح ألفان من أهل «مكة»، واتجه به إلى وادى «حنين»، ففاجأتهم جموع «هوازن» و «ثقيف» من مكامنها فى الأودية والجبال، وكادت تهزمهم، وفر معظم المسلمين من هول المفاجأة، ولم يثبت مع النبى – صلى الله عليه وسلم – إلا قلة قليلة من أهله وأصحابه، تقدر بنحو عشرة رجال، وصاح النبى – صلى الله عليه وسلم – بالمسلمين «إلى أين أيها الناس؟ إلىَّ أيها الناس، أنا النبى لا كذب أنا ابن عبد المطلب»، وأمام ثبات النبى – صلى الله عليه وسلم – وشجاعته عاد المسلمون وراءه، وتماسكوا من جديد، وحملوا على عدوهم حملة صادقة، فهزموهم هزيمة شديدة، وقتلوا منهم عددًا كبيرًا، وأسروا كذلك نحوًا من ستة آلاف، وغنموا غنائم كثيرة.

وينبغى أن نشير إلى أن سبب الهزيمة التى كادت تحيق بالمسلمين فى أول المعركة هو الاغترار بالكثرة، وكانوا اثنى عشر ألفًا، وقالوا: لن نهزم اليوم من قلة، فأراد الله أن يعلمهم أن الكثرة لا تكفى وحدها فى حسم المعارك؛ إذ لابد من عون الله تعالى، وقد أشار القرآن الكريم إلى سبب ما حدث لهم فى أول المعركة، فقالتعالى: {ولقد نصركم الله فى مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئًا وضاقت عليكم الأرض بما رحُبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودًا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين}. [التوبة:25 – 26].

2 – حصار الطائف:

بعد هزيمة «هوازن» و «ثقيف» فى وادى «حُنين». فرت فلولهم وتحصنت بالطائف فحاصرهم النبى – صلى الله عليه وسلم – نحوًا من ثلاثة أسابيع، وكانت حصونهم قوية، وأخذوا فى قذف المسلمين بالنبال فآذوهم، فاضطر النبى أن يتراجع بقواته بعيدًا عن مرمى النبال، ثم استشار أصحابه ماذا يفعل معهم، فقالوا له: «يارسول الله هم كضب فى جحر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته فلن يضرك»، أى أنهم بعد فتح «مكة» وبعد هزيمتهم فى وادى «حنين» لن يستطيعوا الصمود فى وجهك، وهم مستسلمون لا محالة إن أطلت الحصار، وإن رفعته عنهم فسيقدمون عليك من تلقاء أنفسهم، فاقتنع الرسول – صلى الله عليه وسلم – بهذا الرأى، ورفع عنهم الحصار، ورفض أن يدعو عليهم عندما طلب منه ذلك بعض الصحابة، بل قال: «اللهم اهدِ ثقيفًا وأتِ بهم».

وبعد أقل من عام جاءت وفودهم إلى الرسول – صلى الله عليه وسلم – فى «المدينة»، وأعلنوا إسلامهم، فى رمضان سنة 9هـ، وعين الرسول – صلى الله عليه وسلم – «عثمان بن العاص الثقفى» واليًا عليهم.

3 – غزوة تبوك:

قام النبى – صلى الله عليه وسلم – بقيادة هذه الغزوة فى شهر رجب سنة 9 هـ، وهى آخر غزوة غزاها، وكان سببها أن أخبارًا وصلت إليه من عيونه التى بثها لمراقبة تحركات الروم فى الشمال، أنهم يعدون العدة للهجوم عليه.

والحقيقة أن عدوان الروم كان قد تكرر كثيرًا على المسلمين من قبل، فاعتدى الروم على المسلمين وحاربوهم فى غزوة «مؤتة» فى جمادى الآخرة سنة 8هـ، وكادوا يستأصلونهم، لولا مهارة «خالد بن الوليد» – رضى الله عنه – الذى انسحب من أمامهم وأنقذ جيش المسلمين من براثنهم.

وكان عدوانهم ذلك بدون سبب يدعو إليه لأن المسلمين لم يذهبوا لمحاربتهم، وإنما جاءوا لتأديب القبائل القاطنة بين «الحجاز» و «الشام»، التى دأبت على قطع الطريق على المسلمين، ثم ارتكبت جرمًا كبيرًا حين قتلت «الحارث بن عُمير» أحد سفراء النبى – صلى الله عليه وسلم – الذين حملوا رسائله إلى الملوك والأمراء، فأراد النبى – صلى الله عليه وسلم – أن يؤدبهم بهذه الغزوة، ليكفوا أذاهم عن المسلمين، ولكن الروم تدخلوا بجيش كبير – أكثر من مائة ألف – بدون سبب.

أخذ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يرصد تحركات الروم، فلما وصلت إليه الأخبار بعزمهم على الهجوم عليه؛ أعد جيشًا لصده، وكان عدده ثلاثين ألفًا، وهو أكبر جيش قاده النبى – صلى الله عليه وسلم – وسُمى «جيش العسرة»، لأن المسافة كانت بعيدة والجو صيف شديد الحرارة، والناس يحبون المقام فى مزارعهم وبساتينهم لجنى الثمار، والاستمتاع بالظل الوارف، ولكن مادامت الدولة الإسلامية ودعوتها فى خطر، فلابد من التضحية والاستهانة بكل راحة ومتعة، وقد ضحى أصحاب النبى – صلى الله عليه وسلم – تضحيات كبيرة، وأسهموا فى تجهيز الجيش وإعداده بأموالهم، وبخاصة «عثمان بن عفان» الذى جهز نحو ثلث الجيش من ماله الخاص.

سار النبى – صلى الله عليه وسلم – حتى وصل إلى «تبوك»، فإذا به يعلم أن جيش الروم الذى كان يُعد يومئذٍ أقوى جيش فى الدنيا قد فرَّ مذعورًا إلى داخل «الشام»، فعسكر النبى – صلى الله عليه وسلم – فى «تبوك» ثلاثة أسابيع، رتب خلالها أوضاع المنطقة، وأظهر هيبة الإسلام وضرب هيبة الروم ضربة قاصمة، جعلت سكان الإمارات الصغيرة فى المنطقة الخاضعة لسيطرة الروم – كأيلة و «أدرح» و «الجرساء» – يهرعون إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مذعنين، وقالوا له: ماذا تريد منا؟ فعرض عليهم الإسلام فرفضوا، وقالوا: غير هذا، قال: «تدفعون الجزية ونؤمنكم على عقائدكم وأرواحكم وأموالكم»؛ فقبلوا، فأعطاهم بذلك معاهدات، وكانتصرف النبى – صلى الله عليه وسلم – مثلا عاليًا ودليلا على تسامح الإسلام، وأنه لا يُفرض على الناس بالقوة.

وبعد أن أنجز النبى – صلى الله عليه وسلم – هذا الإنجاز الهائل، وتجشم فى ذلك المتاعب والمشقات عاد إلى المدينة المنورة؛ لاستقبال وفود القبائل العربية التى أتت من كل أنحاء شبه الجزيرة العربية تعلن إسلامها وخضوعها لله ولرسوله، فجاءت عشرات بل مئات الوفود لهذا الغرض، وسُمى العام التاسع للهجرة عام الوفود، وصدق الله العظيم القائل:

{إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجًا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا}. [سورة النصر].

عالمية الرسالة الإسلامية:

الإسلام هو الرسالة الخاتمة لرسالات الله – تعالى – إلى البشرية كلها، فليس بعد القرآن الكريم كتاب سماوى، وليس بعد محمد – صلى الله عليه وسلم – رسول؛ لقوله تعالى {ماكان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين}. [الأحزاب: من 40].

ولقول النبى – صلى الله عليه وسلم -: «إن مثلى ومثل الأنبياء من قبلى كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، ..

فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين».

والإسلام هو دين الحق؛ لقوله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام}. [آل عمران: من 19].

وهو الدين الذى دعا إليه الأنبياء جميعًا؛ فقال – تعالى – على لسان «نوح» – عليه السلام-: {وأمرت أن أكون من المسلمين}. [يونس: من 72].

وقال على لسان إبراهيم – عليه السلام: {أسلمت لرب العالمين}. [البقرة: من 131].

وأوصى نبى الله «يعقوب» بنيه بقوله: {يا بنى إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون}. [البقرة: من 132]. وقال «موسى» لقومه: {يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين}. [يونس: من 84].

وكل واحد من هؤلاء الرسل الكرام كان مُرسلا إلى قومه فقط،فرسالاتهم كانت محدودة الزمان والمكان والبيئة البشرية بنص القرآن الكريم (5).

أما رسالة «محمد» – صلى الله عليه وسلم – فعامة لكل الجنس البشرى، قال تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرا}. [سبأ: 28].

وقال تعالى: {قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعًا}.

[الأعراف: من 158].

وليس معنى عالمية الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان أن يفرض على الناس بالقوة، إذ لا إكراه فى الدين، ولأن الأسلوب الذى أمر الله – تعالى – به فى الدعوة إلى دينه هو: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن}. [النحل: من 125].

والمعنى الحقيقى لعالمية الإسلام أنه رسالة مفتوحة للبشر كلهم، دون تمايز أو تفرقة، ودون قيود أو عوائق، فهو ليس ديانة مقصورة على فئة بعينها، كما يدعى اليهود – مثلا – أن ديانتهم خاصة بهم وحدهم، اختصهم الله بها دون غيرهم من البشر، بل الناس جميعًا فى الإسلام سواء، لافضل لعربى على أعجمى إلا بالتقوى، فهم من أب واحد وأم واحدة، وأكرمهم عند الله أتقاهم.

وكان من بين الصحابة مسلمون من غير العرب، مثل «سلمان الفارسى»، و «صهيب الرومى»، و «بلال الحبشى»، وكانت منزلتهم عند رسول الله تفوق منزلة كثير من الصحابة، كما كان الصحابة أنفسهم يعاملونهم أكرم معاملة، حتى إن «عمر بن الخطاب» يقول عن «بلال بن رباح الحبشى»: «أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا»، يقصد بلالا.

رسائل الرسول إلى ملوك العالم ورؤسائه:

كان النبى – صلى الله عليه وسلم – ينتظر الفرصة المواتية، والوقت المناسب؛ ليخرج بالدعوة الإسلامية من شبه الجزيرة العربية إلى النطاق العالمى، وجاءت هذه الفرصة بعد «صلح الحديبية»، الذى أمِنَ به إلى جانب «قريش» أعدى أعدائه فى الداخل يومئذٍ، وقضى على خطر اليهود بفتح «خيبر».

ومع بداية العام السابع من الهجرة ساد شبه الجزيرة العربية جو من الهدوء النسبى، فبدأ النبى – صلى الله عليه وسلم – فى تبليغ دعوتهوتوجيهها إلى أكبر عدد ممكن من ملوك العالم ورؤسائه وأمرائه، فأعد عددًا من أصحابه الكرام، ليكونوا سفراء بينه وبين الملوك والرؤساء وحملهم رسائله إليهم، فأرسل «عبدالله بن حُذافة السهمى» برسالة إلى «كِسرى أبرويز الثانى» ملك الفرس، و «دِحْيَة بن خَلِيفَةَ الكَلبِى» برسالة إلى «هِرَقْل الروم»، و «حَاطِب بن أبى بَلتَعَةَ» برسالة إلى «المقوقس» حاكم «مصر»، و «عمرو بن أمية الضُّمَرى» برسالة إلى «النجاشى» ملك «الحبشة»، و «العلاء بن الحضرمى» برسالة إلى أمير «البحرين»، و «عمرو بن العاص» برسالة إلى ملكى «عمان»، كما أرسل إلى سائر أمراء العرب فى «الشام» و «اليمن».

وتعد هذه الرسائل نقطة تحول فى تاريخ الإسلام من ناحية، ونقطة البداية فى علاقات الإسلام بالعالم الخارجى من ناحية أخرى، فعلى أساسها وعلى ضوء ردود الأفعال عند من أرسلت إليهم من الملوك تشكلت علاقات المسلمين مع الأمم الأخرى فى حالتى الحرب والسلام.

وسنكتفى بإيراد نص رسالة النبى – صلى الله عليه وسلم – إلى «هرقل»، لأن الرسائل كلها تقريبًا متشابهة فى نصوصها ومضمونها، فهى دعوة سلمية إلى الإسلام، لم تتضمن أى تهديد أو تلويح باستخدام القوة ضد من يرفض الإسلام، ونص الرسالة:

«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبدالله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى .. أما بعد: فإنى أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرتك مرتين، فإن توليت فعليك إثم الأريسيين – رعايا هرقل – ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا، ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون».

فماذا كان رد هرقل على هذه الرسالة السلمية؟ وماذا كانت نتائجها ؟ ذكرت بعض المصادر التاريخية أن «هِرَقل» رد على رسالة النبى – صلى الله عليه وسلم – ردًا مهذبًا بل إنه مال إلى الإسلام، ولكن الروملم يطاوعوه، فاعتذر للنبى عن عدم قبول الإسلام بسبب رفضهم، فى حين لا تشير مطلقًا إلى ذلك غالبية المصادر الإسلامية، كما أن تطور العلاقات بين المسلمين والروم فى أواخر حياة النبى – صلى الله عليه وسلم – وفى عهد خلفائه الراشدين يجعلنا نميل إلى أنه لم يرد؛ لأن «هرقل» عندما وصلته رسالة النبى – صلى الله عليه وسلم – كان عائدًا لتوه من حربه مع الفرس، وقد انتصر عليهم انتصارًا ساحقًا، ويبدو أنه كان معتدا بنفسه اعتدادا كبيرًا، مزهوا بما حققه من فوز رد به اعتبار دولته أمام الفرس، فخورًا بإعادة الصليب الأكبر الذى أخذه الفرس إلى بلادهم أثناء غزوهم لفلسطين قبل سنوات، فلما جاءت رسالة النبى – صلى الله عليه وسلم – إليه وهو فى هذه الحالة النفسية المزهوة لم يحفل بها ولم يقدر أمرها التقدير الصحيح.

ويؤكد ذلك الرأى أن تطور العلاقات بين المسلمين والروم تصاعد إلى الصدام المسلح، فاعتدى الروم على المسلمين فى غزوة مؤتة سنة (8هـ)، ثم حاولوا الاعتداء مرة أخرى سنة (9هـ) مما جعل النبى – صلى الله عليه وسلم – يخرج إليهم فى غزوة «تبوك»، ثم دارت رحى الحرب بين المسلمين والروم؛ لأنهم تدخلوا فى حركة الردة، وحرضوا القبائل عليها وساعدوها، ونجح المسلمون فى فتح «الشام» و «مصر» وطردوا الروم منها إلى الأبد، ومن ثم لا يستطيع أحد أن يلوم المسلمين؛ لأنهم حملوا السلاح دفاعًا عن أنفسهم ضد عدوان الروم المتكرر.

أما علاقة المسلمين بالإمبراطورية الفارسية، وهى يومئذٍ الدولة الكبرى الثانية فى العالم، فلم تكن بأحسن حال من علاقة المسلمين بالروم، بل كان «كسرى أَبْرَوِيز الثانى» ملك «فارس» أكثر غرورًا وغطرسة من «هرقل»، فلم تكد تصل إليه رسالة النبى – صلى الله عليه وسلم – حتى استشاط غضبًا وقام بتمزيقها، مع أنها رسالة سلمية للإسلام لا تخرج فى مضمونها عن رسالة النبى إلى «هرقل»، فدعا عليه النبى – صلى الله عليه وسلم – قائلا: «مزق الله ملكه»، ولميكتف الإمبراطور المغرور بذلك، بل أمر نائبه على حكم «اليمن» «باذان» أن يأتى له بالنبى مقيدًا فى الأغلال، ليحاكمه على جرأته وكتابته إليه يدعوه إلى الإسلام، فامتثل «باذان» وأرسل قوة من «اليمن» إلى «المدينة» لتنفيذ هذا الأمر، وفى هذه الأثناء كان «كسرى أبرويز الثانى» قد قتل فى ثورة قادها ضده ابنه «شَيْرَوَيْه»، استجابة لدعوة النبى – صلى الله عليه وسلم – عليه.

فلما جاء رسل «باذان» أخبرهم النبى – صلى الله عليه وسلم -، بما حدث لكسرى، واحترمهم وأكرم وفادتهم، وحملهم رسالة إلى «باذان» حاكم «اليمن»، يدعوه فيها إلى الإسلام، فإن أسلم أقره الرسول – صلى الله عليه وسلم – حاكمًا على «اليمن» من قبله، فشرح الله صدره للإسلام، فأسلم وأقره النبى على حكمها مع أنه فارسى، وهذا دليل على سمو مبادئ الإسلام العادلة وأنه دين المساواة.

وقد تطورت العلاقات مع الفرس على طريق المواجهة، كما حدث مع الروم، لأن الفرس اعتدوا على المسلمين فى حروب الردة، وأرسلوا جيشًا مع «سجاح بنت الحارث اليربوعية»، التى ادعت النبوة؛ لمحاربة المسلمين، فاضطر «أبو بكر الصديق» و «عمر بن الخطاب» من بعده أن يضعوا حدا لاعتداءات الفرس، وأن يزيلوا دولتهم ويخلصوا البلاد والعباد من ظلمهم وتجبُّرهم.

أما بقية الملوك والأمراء الذين وصلتهم رسائل النبى – صلى الله عليه وسلم -. فمعظم العرب فى «اليمن» وشرقى شبه الجزيرة و «الخليج» كانت ردودهم إيجابية وأعلنوا إسلامهم، فأبقاهم على إماراتهم، وأرسل إلى كل إمارة معلمين من أصحابه يفقهونهم فى الدين.

أما «المقوقس» حاكم «مصر» فلم يسلم ولكنه رد ردًا مهذبًا، مصحوبًا بكثير من الهدايا، مع جاريتين، هما «مارية القبطية» التى أعتقها النبى – صلى الله عليه وسلم – وتزوجها، وأنجبت له ابنه «إبراهيم»، وأختها «سيرين» التى أهداها لشاعره «حسان بن ثابت».

وأما «النجاشى» ملك «الحبشة»، فقد استقبل مبعوث النبى استقبالاحسنًا، ورد عليها برسالة مهذبة، أعلن فيها إسلامه صريحًا واضحًا.

وتُوفى «النجاشى» فى السنة التاسعة من الهجرة، ولما علم النبى – صلى الله عليه وسلم – بذلك صلى عليه صلاة الغائب، وقد حفظ المسلمون للحبشة موقفها من المهاجرين إليها، فظلت علاقاتهم بها حسنة على الدوام.

حجة الوداع:

كانت «حجة الوداع» فى العام العاشر من الهجرة، وسُميت بذلك لأن النبى – صلى الله عليه وسلم – انتقل إلى الرفيق الأعلى بعدها بوقت قصير، ولأن العبارات التى افتتح بها النبى – صلى الله عليه وسلم – خطبته كانت تفيد بأنه لن يلقى أمته بعدها فى الحج أبدًا، كما سميت هذه الحجة بحجة البلاغ؛ لأن النبى – صلى الله عليه وسلم – ذكر فى نهاية الخطبة عبارات التبليغ لرسالته للناس.

والحج ركن من أركان الإسلام الخمسة فُرِضَ على المسلمين فى العام التاسع للهجرة، فبعد عودته – صلى الله عليه وسلم – من غزوة «تبوك» أرسل «أبا بكر الصديق» – رضى الله عنه – أميرًا على الحج، وقضى هو أكثر من عام مشغولا باستقبال وفود العرب التى توالت عليه من كل أنحاء شبه الجزيرة العربية، تعلن بيعتها وإسلامها، وكان النبى – صلى الله عليه وسلم – يبعث مع كل وفد من يعلمهم أمور دينهم من الصحابة.

ولما اطمأن أن الإسلام قد انتشر فى بلاد العرب، وتجاوزها إلى ما حولها رغب أن يقوم بأداء فريضة الحج، ويعلِّم المسلمين المناسك بطريقة عملية، ويوصيهم خيرًا، ويلخص لهم فى خطبة شرائع الإسلام وأهدافه.

فخرج من «المدينة» فى 25 من ذى القعدة من السنة العاشرة للهجرة، وأحرم بالحج والعمرة من ذى الحُلَيْفة (6)، وخلفه أكثر من مائة ألف من المسلمين، وكان المشهد رائعًا ومهيبًا، ينحنى له التاريخ إجلالا وتقديرًا، فها هو ذا الرجل الذى بدأ دعوته وحده، والعرب جميعهم يقفون ضده، ويحاربونه بكل ما يملكون يلتفون حوله، ويسيرون خلفه، ويقودهم فى تواضع وبر ورحمة ومودة.

وقد خطب النبى – صلى الله عليه وسلم – فى هذه الجموع الكبيرة بعد الإحرام، فوعظهم، وعلمهم مناسك الحج، وقال لهم: «خذوا عنى مناسككم».

وسار ركب الحج النبوى إلى «مكة المكرمة» فى يوم التروية -الثامن من ذى الحجة – وتوجه إلى «منى»، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وصبح يوم عرفة، وبعد الصلاة توجه إلى عرفات فى التاسع من ذى الحجة، وهناك خطبهم «خطبة الوداع»، وهى خطبة طويلة، بدأها النبى – صلى الله عليه وسلم – بقوله: «أيها الناس، اسمعوا قولى، فإنى لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا بهذا الموقف أبدًا، أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رءوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون، قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا العباس بن عبدالمطلب موضوع كله، وإن كل دم كان فى الجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب – ابن عم النبى – صلى الله عليه وسلم – – وكان مسترضعًا فى بنى ليث فقتلته هذيل، فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية».

ثم واصل خطبته مقررًا فيها قواعد الإسلام وشرائعه، هادمًا قواعد الشرك والجاهلية، موضحًا المحرمات التى اتفقت جميع الشرائع السماوية على تحريمها، وهى الدماء والأموال والأعراض، ووضع أمور الجاهلية كلها تحت قدميه، وأوصاهم بالنساء خيرًا، وحذرهم من الفتن، وختمها بتلك الكلمات المباركات، فقال: فاعقلوا أيها الناس قولى، فإنى قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا أبدًا، أمرًا بينًا، كتاب الله وسنة نبيه.

وبعد أداء بقية مناسك الحج، عاد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سعيدًا مغتبطًا إلى مدينته، ليستعد للقاء ربه راضيًا مرضيا عنه من ربه الذى أرسله رحمة للعالمين، ومن أمته التى بلغها رسالة ربه،وأخرجها من الظلمات إلى النور. شخصية الرسول:

كانت أخلاق الرسول – صلى الله عليه وسلم – وصفاته الشخصية من أهم العوامل التى ساعدت على تكوين المجتمع الإسلامى الأول تكوينًا سليمًا، فقد كانت أخلاقه رخاءً وسماحة وصفاء، وحسبه أن الله وصفه بقوله: {وإنك لعلى خلق عظيم}. [القلم: 4].

كما كانت أخلاقه من الأسباب التى جمعت الناس حوله، لقوله تعالى: {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك}.

[آل عمران: 159].

وعُرِفَ الرسول بأخلاقه السمحة قبل البعثة، فلم يسجد لصنم قط، واشتهر بين أهله وقومه بالصادق الأمين، ولم يشترك فيما تعود شباب «قريش» أن يقوموا به من عبث ومجون، ثم ازدادت أخلاقه سموا بهدى الوحى، وأصبح أعظم العظماء فى كل شىء، فى الصدق والأمانة، والوفاء والحياء، والشجاعة والكرم، والزهد، والصبر على الشدائد، ومواجهة أعباء الرسالة، ومشكلات الحياة، رحيمًا فى معاملة أصحابه، عارفًا بأقدارهم، عطوفًا على أهله وزوجاته.

وإذا كان الناس يقولون أن الرجل العظيم فى الحياة العامة قلما يكون عظيمًا فى بيته، فإن «محمدًا» – صلى الله عليه وسلم – كان أعظم العظماء فى التاريخ البشرى كله، فى الحياة العامة، وأعظمهم فى بيته الذى ضم تسع زوجات، فى وقت واحد، من أعمار مختلفة ومن قبائل مختلفة، بل ومن أجناس مختلفة، فمنهن العربية واليهودية والمصرية، فكان المثل الأعلى معهن فى كل شىء، وكلهن يقدرن شخصه وخلقه، وقد عاش بعضهن بعد موته أكثر من نصف قرن، وألسنتهن تلهج بذكره والثناء عليه، فلم تشغله أعباء الرسالة وتكاليفها، وتبعات الدولة ومسئولياتها عن القيام بواجباته نحوهن على أكمل وجه، وكان يجد من الوقت ما يسمح له بملاطفتهن، وإدخال السرور على قلوبهن.

وقد انبهر بأخلاق النبى – صلى الله عليه وسلم – عدد من كتاب الغرب، فلم يسعهم إلا أن يقولوا كلمة الحق عنه، من ذلك ما قاله «وليم موير»: «إن من صفات محمد الجديرة بالتنويه الرأفة والاحترام اللذينكان يعامل بهما أصحابه، فإن التواضع وإنكار الذات والرأفة والأناة والسماحة تغلغلت فى نفسه، فأحبه كل من حوله، ولم يكن الإصلاح أعسر ولا أبعد منالا منه عند ظهور محمد، ولا نعلم نجاحًا تم كالذى تركه عند وفاته».

ويقول الشاعر «لامارتين»: «إن محمدًا هو أعظم رجل بجميع المقاييس التى وضعت لوزن العظمة الإنسانية، فإن كان مقياس العظمة الإنسانية هو إصلاح شعب متدهور، فمن ذا الذى يطاول محمدًا فى هذا المضمار. وإذا كان مقياس العظمة هو توحيد الإنسانية المفككة الأوصال، فإن محمدًا أجدر الناس بهذه العظمة، لأنه جمع شمل العرب بعد تفكك شامل. وإذا كان مقياس العظمة هو إقامة حكم السماء فى الأرض، فمن ذا الذى ينافس محمدًا الذى محا مظاهر الوثنية، وثبت عبادة الله وقوانينه فى عالم الوثنية والقوة».

أما الدكتور «مايكل هارت» فى كتابه «المائة الأوائل» فقد وضع النبى – صلى الله عليه وسلم – على رأس القائمة، مبررًا ذلك أمام القراء الغربيين الذين يكتب لهم فى الأساس بأنه «الإنسان الوحيد فى التاريخ الذى نجح نجاحًا مطلقًا على المستوى الدينى والدنيوى، ونشر الإسلام وهو من أعظم الديانات، وأصبح قائدًا سياسيا وعسكريا ودينيا، وبعد مرور القرون العديدة فإن أثره لا يزال متجددًا وقويا».

والحق أن جوانب العظمة والكمال الإنسانى فى شخصية الرسول لا يستطيع أحد أن يحصرها أو يحيط بها، وستظل سيرته وأعماله وأخلاقه مجالا رحبًا للبحث والدراسة، والتأمل والاقتداء. مرض الرسول – صلى الله عليه وسلم – ووفاته بدأ النبى – صلى الله عليه وسلم – يشعر بالمرض بعد عودته من حجة الوداع بنحو شهرين، أى فى أواخر شهر صفر من العام الحادى عشر للهجرة، وكان يشكو من الصداع، ويقول: «وارأساه».

وكان النبى – صلى الله عليه وسلم – فى بداية مرضه يتحامل على نفسه، ويخرج إلى الناس يصلى بهم إمامًا، فلما اشتد عليه المرض ولميعد قادرًا على الخروج، أمر «أبا بكر الصديق» أن يصلى بهم إمامًا، وأصرَّ على ذلك، ورفض أن يصلى بهم «عمر بن الخطاب»، وفى ذلك إيماء إلى أفضلية «أبى بكر» – رضى الله عنه – على سائر الصحابة كلهم.

وفى صبيحة يوم الاثنين الموافق (12 من شهر ربيع الأول سنة 11هـ) فاضت روح النبى – صلى الله عليه وسلم – الطاهرة إلى بارئها، فكان ذلك صدمة قاسية للمسلمين، الذين روعتهم وفاة نبيهم إلى الحد الذى جعل بعضهم لا يصدق أن النبى تُوفِّى – من هول الصدمة – منهم «عمر بن الخطاب» الذى كان أكثرهم فزعًا وحزنًا، أما «أبو بكر الصديق» فلم يكن موجودًا لحظة وفاة النبى – صلى الله عليه وسلم – بل كان فى منزله بالسُّنح من ضواحى «المدينة» فلما بلغه الخبر المفجع جاء على الفور، فوجد الناس واجمين، قد استبد بهم الحزن، وعمتهم الحيرة، وغشيهم الكرب، ووجد «عمر بن الخطاب» يخطب فى الناس ويتهدد ويتوعد من يقول إن النبى قد مات، فلم يكلمه، وقصد بيت ابنته «عائشة» حيث جسد النبى – صلى الله عليه وسلم – مسجى هناك، فكشف الغطاء عن وجهه الشريف وتأكد من وفاته، فقبله فى جبينه، وقال: «بأبى أنت وأمى، طبت حيا وميتًا يارسول الله»، ثم خرج إلى الناس، الذين كانوا ينتظرونه، وقد تعلقت به آمالهم، لعله يعلن أن النبى لم يمت، ولكنه كان رجل الموقف العصيب، فأعلن الحقيقة التى لا مفر من إعلانها للناس، ليواجهوا الموقف بكل أحزانه وتبعاته، فقال للناس بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه: «أما بعد، فمن كان يعبدُ محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبدُ اللهَ فإن الله حى لا يموت»، ثم تلا قوله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزى الله الشاكرين}. [آل عمران: 144]. فقال «عمر بن الخطاب» حين سمع «أبا بكر» يتلو هذه الآية: «كأنى لم أسمعها من قبل».

هذه هى الحقيقة التى أعلنها «الصديق» على الناس، فالنبى بشر يخضع لقوانين الله فى البشر من حيث الحياة والموت، وقد قال الله له: {إنك ميت وإنهم ميتون}. [الزمر: 30].

بدأ التفكير فى تجهيز النبى – صلى الله عليه وسلم – من غسل وتكفين ودفن، فاختلفوا، أين يدفن، فقال لهم «أبو بكر الصديق»: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: «مامات نبى إلا دفن حيث مات». وشرعوا فى غسله، وكان الذين تولوا غسله هم أهل بيته:

«على بن أبى طالب»، وعمه «العباس بن عبدالمطلب»، وابنه «الفضل»، واشترك معهم «أسامة بن زيد»، و «شقران» مولى «أسامة»، ولم يجردوه من قميصه أثناء غسله، ثم كفنوه فى ثلاثة أثواب، وصلوا عليه فرادى، الرجال أولا، ثم تلاهم النساء، ثم الأطفال، وفى يوم الثلاثاء التالى لوفاته وورى الجسد الطاهر فى التراب.

السابق
خلافة عمر بن الخطاب
التالي
نشأة الرسول