ثقافه إسلامية

ما معنى العلماء ورثة الأنبياء

العلم والعلماء

جاءت الشريعة الإسلاميَّة حاثَّةً على العلم، ومُرغِّبةً في طلبه، وداعيةً إلى تَحصيله، فوَردت نُصوصٌ شرعيَّةٌ عدَّةٌ سواءً في القرآن الكريم أو في السُنّة النَّبويَّة الشَّريفة تُعلي من شأن العلم، وتُبيّن مَنزلة العُلماء وفَضلهم على من سواهم، ومن ذلك قول الله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)،[١] ولا يَخفى ما للعلماء من دورٍ جليلٍ في خدمة النَّاس ونفعهم، والرقيّ بالمُجتمع وتقدُّمه.

العلم كما عرَّفه علماء اللغة مُشتقٌ من الجذر اللغوي علم؛ فالعين واللام والميم أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على الأثر في الشيء الذي يُميّزه عن غيره، وعلَّم الرجل على الشيء علامةً؛ إذ ترك فيه أثرًا، والعلم نقيض الجهل،[٢] وعلَّم وأعلم أصلٌ واحدٌ بفارق أنَّ الإعلام مُتعلِّقٌ بالإخبار السَّريع، في حين أنَّ التَّعليم مُتعلّقٌ بالتَّكثير والتكرار؛ بغية تحقُّق أثره في النَّفس.[٣]

العلماء هم حَمَلة العلم ومُبلِّغوه للنَّاس، والسَّاعون لنشره، ولهم من الفضلِ والأثر الطَيّب الكثير، حتى وصَفَهم النَّبيّ -عليه الصلَّاة والسَّلام- بورثة الأنبياء، وتالياً حديثٌ عن العلماء، لما هم ورثة الأنبياء؟، وبيانٌ لفضلهم وفضلُ العلم ومَنزلته.

العلماء ورثة الأنبياء

وصف النَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- العلماء بأنَّهم ورثةُ الأنبياء؛ فقد جاءَ في الحَديث الشريف الذي رواه أبو الدرداء -رضي الله عنه- عن رسول الله أنَّه قال: (من سلك طريقًا يطلبُ فيه علمًا، سلك اللهُ به طريقًا من طُرُقِ الجنَّةِ، وإنَّ المَلائكةَ لَتضعُ أجنحتَها لطالبِ العلمِ رضًا بما يصنع، وإنَّ العالمَ لَيستغفرُ له مَن في السمواتِ، ومن في الأرضِ، والحيتانُ في جوفِ الماءِ، وإنّ فضلَ العالمِ على العابدِ كفضلِ القمرِ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكبِ، وإنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ، وإنَّ الأنبياءَ، لم يُوَرِّثوا دينارًا، ولا درهمًا، إنما وَرّثوا العلمَ، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافرٍ).[٤]

إنَّ من أعظَم خصائص ومَناقب العلماء أنَّهم ورثةٌ للأنبياء، وهم لم يَرثوا مِنهم مالاً أو مَتاعاً من متاع الدنيا، بل وَرثوا عنهم العلم، وذلك متمثِّلٌ بأنَّ الأنبياء -عليهم السَّلام- خير خلق الله تعالى في الأرض؛ فورثتهم لا بدَّ أن يكونوا خير الخَلق من بعدهم وهم العلماء، كما أنَّه من المَعروف أنَّ الميراث يَنتقل من المَورث إلى ورثته القريبين الذين يقومون مقامه من بعده، ولا يقدر على القيام مقام الرُّسل -عليهم السَّلام- وأداء رسالتهم ودورهم في التَّبليغ والدَّعوة إلى الله تعالى وتعليم دينه مثل الأنبياء، وفي اعتبار العلماء ورثةً للأنبياء -عليهم السَّلام- إشارةٌ للناس وتنبيهٌ لهم بلزوم احترامهم وتوقيرهم، والرُّجوع إليهم في شؤونهم وطاعتهم، فهذا حقٌّ لهم كما هو حقٌّ للأنبياء -عليهم السَّلام-.[٥]

جاءت في القرآن الكريم آياتٌ بشأن بعض الأنبياء -عليهم الصَّلاة والسَّلام- ذكرت فعل الإرث والميراث، إلا أنَّ المعنى المُراد في الآيات هو ذات معنى الحديث؛ ميراث العلم والدِّين، كما جاء في قول الله تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ)،[٦] ومثل ذلك ما جاء في دعاء نبي الله زكريا-عليه السَّلام- كما جاء في سورة مريم: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا)،[٧] فالميراث الذي سيورث من الأنبياء ليس سوى العلم والدِّين بتعليمهما والدَّعوة إليهما، والسَّير على خطى الأنبياء في ذلك.[٥]

السابق
كيف أزيل الحقد من قلبي
التالي
حق الحياة في الإسلام