المؤرخون

محمد عبد الله عنان

ملخص المقال

    لعله من قبيل الصدفة أن تكون ذكرى وفاة المؤرِّخ المصري الكبير محمد عبد الله عنان (يناير 1986م) في الشهر نفسه الذي سقطت فيه الأندلس (يناير 1492م)، ولكن المؤكد أن عنان هو رائد الدراسات الأندلسيَّة في

لعلَّه من قبيل الصدفة أن تكون ذكرى وفاة المؤرِّخ المصري الكبير محمد عبد الله عنان (يناير 1986) في الشهر نفسه الذي سقطت فيه الأندلس (يناير 1492)، ولكن المؤكد أن عنان هو رائد الدراسات الأندلسيَّة في العالم العربى.. وهو أجدر من يستحق لقب عاشق الأندلس.

نسب عنان وحياته

هو محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب بن عرفة العناني، وُلِد في (7 من يوليو 1896م = 26 من المحرم 1314هـ)، في قرية بشلا مركز ميت غمر بالدقهليَّة، وهو من أسرةٍ ترجع أصولها إلى السادة العنانيَّة، الذين ينتسبون إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وبدأ تعليمه في كتَّاب القريَّة، وبعد انتقال الأسرة إلى القاهرة واصل تعليمه حتى حصل على البكالوريا من المدرسة الخديويَّة بالقاهرة عام 1914م، ثم نال شهادة الحقوق (الإجازة) من مدرسة الحقوق السلطانيَّة عام 1918م.
وقد عمل بالمحاماة والصحافة منذ بدايته، إلى أن التحق بالوظيفة الحكوميَّة في عام 1935م، وظلَّ بها إلى أن أُحيل إلى المعاش في عام 1955م. وقد كان يكتب بانتظام في جريدتي “السياسة” و”السياسة الأسبوعيَّة”، ولم يكن في كتاباته منحازًا إلى أحد الأحزاب وقتها، وقد انخرط في الحياة الوطنيَّة السياسيَّة والحزبيَّة، وكان أحد أشهر الكتَّاب المرموقين، وكان أحد مؤسِّسي “الحزب الاشتراكي المصري”، ولم يلبث أن دبَّت الاختلافات بين أعضاء الحزب بعد أن تغيَّر اسمه إلى“الحزب الشيوعي المصري”، وقد قدَّم عنان بيانًا هاجم فيه تطرُّف الحزب أو ما أسماه “ارتكابه الشطط ومناداته بأبعد المبادئ تطرفًا وأدعاها إلى تشويه المبادئ الاشتراكية الصحيحة”، ولم يُؤْثَر أن انتمى عنان إلى أيَّة تنظيماتٍ سياسيَّةٍ بعد ذلك؛ بل تفرَّغ للبحث وللمهمة التي خُلِق من أجلها وهو التاريخ الأندلسي.

عنان مؤرخًا:

على الرغم من عمله بالمحاماة والصحافة لسنواتٍ كثيرة، لكنَّه تركها ليتفرَّغ لعشقه الكبير وهو الكتابة والتأريخ للعالم الإسلامي عامَّة والأندلسي خاصَّةً، ولكن ممارسته للمحاماة و-أيضًا- الصحافة أكسبته صفةً مهمَّةً للمؤرِّخ؛ وهي التحقُّق وتقصِّي الأدلَّة والمقارنة قبل أن يُصدر حكمًا ما، وهو ما جعل كتاباته محلَّ ثقة دارسي التاريخ في أنحاء العالم.
وقد امتلك رحمه الله من أدوات المؤرخ من الوثائق ودقَّة استعمالها وتوظيفها واستخراج النتائج العلميَّة السليمة، وأتقن بسببها عدَّة لغات قديمة: كالقشتاليَّة، واللاتينيَّة بالإضافة إلى إجادته (الإنجليزيَّة- الفرنسيَّة- الألمانيَّة- الإسبانيَّة).
وكان لا يكلُّ عن الترحال؛ فقد زار إسبانيا ودول شمال إفريقيا ستَّ عشرة رحلةً لا يدَّخر جهدًا في البحث والتنقيب، وتقصِّي مختلف المصادر والوثائق القشتاليَّة في مختلف مواطنها، وكذلك التجوال المتكرِّر في ربوع الأندلس القديمة، والزيارات المتعدِّدة للقواعد الأندلسيَّة الذاهبة، ولا سيَّما القواعد الكبرى، مثل: (قرطبة، وإشبيلية، وبلنسيَّة، وشاطبة، ومرسية، وسرقسطة، وطليطلة، وبطليوس، وماردة، وأشبونة، وباجة، وغرناطة، وألمرية، ومالقة، وغيرها..)، والدراسة المستفيضة لآثارها ونقوشها الأندلسيَّة الباقية، وهذه المشاهدات لطبائع الإقليم والبقاع والأوساط التي حلَّت فيها الأمَّة الأندلسيَّة وعاشت عدَّة قرون ووضعت أسس حضارتها العظيمة، كانت لها أبلغ الأثر عليه وعلى كتاباته وأمدَّته بكثيرٍ من الحقائق.
وانتفع خلال هذه الرحلات في استيعاب المصادر القشتاليَّة، واللاتينيَّة القديمة، والمصادر الغربيَّة الحديثة، وانتفع بالكثير من المخطوطات المهمَّة الموجودة بمكتبة “دير الأسكوريال”، والمخطوطات الموجودة بـ(فاس، والجزائر، وتونس)، وقابل الأعلام من مؤرِّخي الأندلس كـ: “ليفي بروفنسال”، و”غرسيه غومث”، و”بلاثيوس”، وغيرهم..

مؤلفات عنان:

لقد كان عنان من القلائل في العصر الحديث ممَّن يستحقون لقب المؤرِّخ الموسوعي الشامل، فكان له في العديد من الفنون (التاريخ- السياسة- الأدب- الاجتماع- التراجم- وغيرها) مؤلَّفات عديدة وعظيمة وفريدة في كلِّ المجال، ولكن أغلبها امتزج بالتاريخ، فكان التاريخ -خاصَّةً الأندلسي- هو الحقل والميدان الذي فرَّغ له عمره وفكره وناضل من أجل إيضاحه وبيان دقائق معارفه للناس، ولهذا -أيضًا- كان جديرًا بلقب عاشق الأندلس.

في تاريخ الأندلس:

إنَّ أكثر ما اشتهر به حقًّا العلَّامة محمد عبد الله عنان، هو كتاباته عن الأندلس، التي عشقها وارتحل إليها عشرات المرَّات (وهو ما جعله يستخدم المصادر المحفوظة في الأرشيفات الإسبانيَّة)، فظلَّ يبحث في تاريخها وحضارتها عدَّة قرون، قدَّم لنا فيها أعظم موسوعة تاريخيَّة عن الأندلس، وهي موسوعة “دولة الاسلام في الأندلس”، وهي من 7 أجزاء، تُغطِّي تاريخ دولة الإسلام في الأندلس منذ الفتح حتى السقوط، وهي:
الجزء الأول: من الفتح إلى بداية عهد الناصر (صدر عام 1943م).
الجزء الثاني: الخلافة الأموية والدولة العامرية.
الجزء الثالث: دولة الطوائف منذ قيامها حتى الفتح المرابطي (صدرت طبعته الأولى عام 1960م).
الجزء الرابع: عصر المرابطين وبداية الدولة الموحدية (صدر عام 1963م).
الجزء الخامس: عصر الموحدين (صدر عام 1964م).
الجزء السادس: عصر الموحدين وانهيار الأندلس الكبرى.
الجزء السابع: نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصِّرين (صدرت طبعته الأولى في الأصل عام 1949، وصدرت طبعته الثانية عام 1958، وصدرت الثالثة عام 1966).
ويعد كتاب “الآثار الأندلسية الباقية في إسبانيا والبرتغال” -الذي صدر في طبعته الأولى عام 1956م- الجزء الثامن من الموسوعة.
وكذلك رَصَد داخل موسوعته الكلمات الأندلسية ذات الأصل العربي، بالإضافة إلى تمهيدٍ رائعٍ لأحوال الاندلس قبل الفتح الإسلامي، مع خاتمةٍ عن أحوال مسلمي الأندلس بعد سقوطها، بالإضافة إلى ذكر الآثار الإسلاميَّة الباقية في الأندلس.
وقد استغرق في إعداد تلك الموسوعة 25 عامًا؛ حيث صدر الكتاب الأوَّل من هذه الموسوعة عام 1943م (أي بعد سبع سنوات من رحلته الأولى إلى إسبانيا)، وانتهى عام 1965م من المجلَّد السابع منها.
وقد أُعيد طبع الكتاب بأجزائه الثمانية عام 2001م في سلسلة مكتبة الأسرة المصرية، بالتعاون بين مكتبة الخانجي (ناشر معظم مؤلَّفات عنان) والهيئة المصريَّة العامة للكتاب، ولا يزال دارسو التاريخ الأندلسي في الشرق والغرب يعتمدون عليها -على الرغم من مرور سنواتٍ عديدةٍ على إصدارها- ويثقون في المعلومات الواردة فيها، وهذا العمل يُؤكِّد على ريادة عنان للمدرسة التاريخيَّة المشتغلة بالتاريخ الأندلسي، فهو كتابٌ موسوعيٌّ فريدٌ من نوعه، ويحتاج أن تقف على إنجازه مؤسَّسات ذات ميزانيَّةٍ ضخمة، فما بالك بمن أنجزه متطوِّعًا.

في تاريخ مصر:

ولإدراكه بقيمة وعظمة التاريخ المصري، فكان لمصر الإسلاميَّة نصيبٌ في دراساته وأبحاثه؛ إذ أنجز أكثر من كتابٍ عنها، منها: كتاب “الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية”، الذي حاول فيه تفنيد المزاعم المحيطة بشخصيَّة الخليفة (العبيدي) الفاطمي الحاكم بأمر الله، وكتاب “مصر الإسلامية وتاريخ الخطط المصرية”، وكتاب “مؤرخو مصر الإسلامية ومصادر التاريخ المصري”، وفيه تناول بالدرس والتحليل سِيَرِ المؤرخين العظام، الذين أرَّخو لمصر ككيانٍ مستقلٍّ عن التاريخ الإسلامي العام، بدءًا من: ابن عبد الحكم، وابن زولاق، والكندي، والنويرى، وابن فضل الله العمري، والمقريزي، وابن تغرى بردى، وابن حجر، والسيوطي، وابن إياس، وختامًا بـالجبرتي. وترجع أهميَّة هذا الكتاب أنَّه رجع للمصادر والمخطوطات كثيرًا.

في السياسة:

لقد جمعته الصداقة مع الكاتب الكبير محمد حسين هيكل وإبراهيم عبد القادر المازني، واشترك معهما في تأليف كتاب سياسي بعنوان “السياسة المصرية والانقلاب الدستوري”، هذا بالإضافة إلى عشرات المقالات السياسيَّة في جريدتي “السياسة” و”السياسة الأسبوعية”. وله كتبٌ في التعريف بالمذاهب الاشتراكية، منها كتابه “المذاهب الاجتماعية الحديثة”.

في الأدب:

وله عدَّة كتب يمتزج فيها الأدب بالتاريخ، وأهمُّها “المآسي والصور والغوامض”، وهو مجموعٌ من الصور التاريخيَّة الشائقة. وكتاب “مأساة مايرلنج” الذي أصدره باللغتين العربيَّة والإنجليزيَّة.

الترجمة:

إنَّ دراية عنان بالعديد من اللغات جعلته يترجم كتبًا كثيرة في عدَّة فنون؛ ففي التاريخ ترجم كتاب يوسف أشباخ “تاريخ الأندلس في عصر المرابطين والموحدين” عن الألمانيَّة، وكتاب “تاريخ أوروبا الحديث” ترجمه عن الإنجليزية وأصدره وهو بَعْدُ طالبٌ بمدرسة الحقوق، وفي الأدب ترجم بعض قصص ديماس الصغيرة من مجموعة “الجرائم الشهيرة”، وقصَّة “قلنسوة الذهب” للكاتب الفرنسي زافييه دي مونتبان، وترجم عدَّة قصصٍ أدبيَّةٍ واجتماعيَّةٍ لطائفةٍ من أعلام الأدب الفرنسي جمعها في كتابه “قصص اجتماعية ونماذج من أدب الغرب”، ولكنَّه اشتهر بترجمته عن الفرنسيَّة لأطروحة الأديب الكبير طه حسين لدرجة الدكتوراه “فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، تحليل ونقد”.

التحقيق:

ولم يكتفِ مؤرِّخنا بهذه العلوم، بل دخل إلى مجال التحقيق في مطلع السبعينيَّات، فأخرج كتابين مهمَّين للأديب الأندلسي المشهور لسان الدين بن الخطيب “الإحاطة في أخبار غرناطة”، و“ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب”، بجانب فهرسته للقسم التاريخي للخزانة الملكيَّة بالرباط.

سيرته الذاتية:

وله كتابٌ جليلٌ (صدر بعد وفاته في عام 1988م)، سرد فيه سيرته العطرة بعنوان “ثلثا قرن من الزمان”.

وفاة عنان:

ولم يتوقَّف عنان عن الاطِّلاع والبحث والتنقيب حتى رحل في 20 يناير 1986م وقد ناهز التسعين من عمره. وبعد أنَّ كرمته الدولة المصريَّة بحصوله على جائزة الدولة التقديريَّة في العلوم الاجتماعيَّة في عام 1977م، ووسام الجمهوريَّة من الطبقة الأولى في عام 1978م، ووسام الكفاءة الفكريَّة من الملك المغربى الحسن في عام 1981م، وقد اختير عضوًا بمجمع اللغة العربيَّة ونادي القلم الدولي.
وفي النهاية فإنَّ أفضل تكريمٍ لهذا الرجل هو أنَّ كتبه لا تزال تُنشر حتى الآن، ويعتمد عليها الكثير في أبحاثهم، ولا يزال آلاف الناس يتذكرون ريادته للمدرسة التاريخيَّة المصريَّة والأندلسيَّة، ولم يَنْسَهْ التاريخ كما نَسي مؤرِّخين آخرين، كتبوا من أجل الشهرة أو أغراضٍ دنيويَّةٍ أخرى، فرحمه الله وجزاه عنا خير الجزاء.
 


المراجع:

– محمد عبد الله عنان: مقدِّمة الجزء الأوَّل من كتاب “دولة الإسلام في الأندلس”.
– الطاهر أحمد مكي: عاشق الأندلس محمد عبد الله عنان. مجلة الهلال، يناير 1985م.
– عبادة كحيلة: أندلسيات، ط2، 1421هـ=2001م.
– علي النجدي ناصف: فی استقبال الأستاذ محمد عبد الله عنان. مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة. جمادى الأولى 1396هـ، الجزء 37.
– مقال: ذكرى عنان تمر دون أن يتذكره أحد، موقع ميدل إيست أونلاين: http://bit.ly/2m2hKwg.

السابق
شمس الدين السخاوي
التالي
ابن عذاري المراكشي