الانسان بالاسلام

مكانة الإنسان وهدف وجوده

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الإنسان هو المخلوق الأول رتبة من بين المخلوقات :

بادئ ذي بدء، الإنسان هو المخلوق الأول رتبة من بين المخلوقات لماذا؟ لأن الله عز وجل ركب الحيوان من شهوة بلا عقل، وركب الملك من عقل بلا شهوة، وركب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان، هذا كلام يحتاج إلى دليل من كتاب الله:

(إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ)

[سورة البينة]

قاطبة:

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا)

[سورة البينة الآية:6]

في نهاية الآية:

(أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ)

[سورة البينة]

فإما أن يكون الإنسان فوق الملائكة أو أن يكون دون الحيوان، لذلك الإنسان هو المخلوق الأول رتبة

البشر على اختلاف مللهم وانتماءاتهم وأعراقهم لا يزيدون عند الله عن نموذجين :

قال تعالى:

(وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى)

[سورة الليل]

ملايين الطرق التي يسلكها الناس، ولكن البشر جميعاً على اختلاف مللهم، ونحلهم، وانتماءاتهم، وأعراقهم، ونسبهم، وطوائفهم، ومذاهبهم، لا يزيدون عن نموذجين حصراً،

1.النموذج الأول عرف الله فانضبط بمنهجه وأحسن إلى خلقه

نموذج أول عرف الله فانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه، فسلم وسعد في الدنيا والآخرة،

(فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى)

[سورة الليل]

إذاً النموذج الأول صدق أنه مخلوق للجنة، فاتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء، فكان الرد الإلهي أنه يسره لسعادة الدنيا والآخرة،

2.النموذج الثاني: غفل عن الله، وتفلت من منهجه، وأساء إلى خلقه

نموذج ثاني غفل عن الله، وتفلت من منهجه، وأساء إلى خلقه، فشقي وهلك في الدنيا والآخرة، ولن تجد نموذج ثالثا.
الذي ( كَذَّبَ بِالْحُسْنَى ) بالجنة، وآمن بالدنيا، واستغنى عن طاعة الله، وبنى حياته على الأخذ.
فلذلك الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء ملكوا القلوب، والأقوياء ملكوا الرقاب، الأنبياء عاشوا للناس، والأقوياء عاش الناس لهم، فهذان النموذجان هما النموذجان الوحيدان في الأرض، فلذلك الإنسان حينما يؤمن بالله، ويتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة، يكون فوق المخلوقات جميعاً، إذاً الإنسان هو المخلوق الأول رتبةً، والدليل القوي: ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ ﴾ أي على جميع الخلائق في عالم الذر، ﴿ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ) .
هناك تعليق لطيف: هو حينما حملها هل كان (ظَلُوماً جَهُولاً) ؟ في الحقيقة كان طموحاً، متطلعاً إلى أعلى مرتبة ينالها مخلوق، ولكن إذا قبل حمل الأمانة، ولم يؤدِ هذه الأمانة (كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) .

الإنسان مؤتمن على نفسه فعليه أن يحملها على الطاعة ويجعلها تتقرب إلى الله :

قال الله تعالى:

(إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ)

الأمانة هي نفس الإنسان، جعلها الله أمانة بين يديه، فطوبى لمن عرفها بربها، وحملها على طاعته، وجعلها تتقرب إليه، فسلمت وسعدت في الدنيا والآخرة، والويل لمن جعلها غافلة عن الله، وتفلت من منهج الله، وأساءت إلى خلق الله، فشقيت وهلكت في الدنيا والآخرة.
إذاً الحقيقة أن الأمانة هي نفسه التي بين جنبيه.
قال الله تعالى:

(قَدْ أَفْلَحَ)

[سورة الشمس الآية:9]

وقد وردت كلمة أفلح في القرآن في عدة مواطن:

(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا)

[سورة الشمس]

كيف يزكيها؟ يعرفها بربها، يحملها على طاعته، يجعلها تتقرب إليه بالأعمال الصالحة، تزكو النفس، ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ) ، أما حينما يغفل عن الله، ويتفلت من منهج الله، ويبحث عن شهوته من حلال أو حرام، يبحث عن المال من طريق مشروع أو من طريق غير مشروع، يكون بهذا قد أشقى نفسه، وخان حمل الأمانة، فالأمانة هي نفسه التي بين جنبيه، أوكله الله بها، لكن بقية المخلوقات ليسوا مكلفين، الحيوان يتبع شهوته من دون تكليف، والمَلَك يتبع عقله من دون تكليف، بينما الإنسان ركب الله فيه عنصراً أرضياً وعنصر سماوياً، هناك دوافع نحو الأرض أن يأكل، وأن يشرب، وأن يقترن بالأنثى، و دوافع نحو السماء أن يعرف الله، فلذلك أنت حينما تطلب من إنسان أن يتعرف إلى الله تدعوه ليلبي الحاجة العليا فيه.

ماذا يفعل هذا الإنسان المؤتمن إذا أخطأ؟

لكن أحياناً الإنسان يخطئ، يدخل في الآثام أحياناً، يتجاوز الحدود أحياناً، وهو مؤتمن، ما هي الطرق؟ ما هي الأبواب -حتى إن أخطأ -للوصول إلى الله عز وجل؟.
هذا الاحتمال قائم، بل إن:

(( المؤمن مذنب تواب))

[ورد في الأثر]

وقال عليه الصلاة و السلام:

(( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ))

[أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك]

فهذا الاحتمال الذي تفضلت به في أي يخطئ الإنسان احتمال قائم، ما الذي يغطيه؟ توبة الله له.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ)

[سورة النساء الآية:27]

(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)

[سورة البقرة]

وما أمرك أن تتوب إليه إلا ليتوب عليك، فالتوبة تغضي هذا الاحتمال، بل إن الله يحب التوابين، بل إن شأن الإنسان أنه يخطئ ويصيب.
سيدنا حنظلة كان جالساً في الطريق يبكي، مرّ به سيدنا الصديق،
قال له: يا حنظلة مالك تبكي؟
قال: نافق حنظلة،
قال له: ولِمَ يا أخي؟
قال: نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين، فإذا عافسنا الأهل ننسى، فمن شدة تواضع الصديق،
قال: أنا كذلك يا أخي، انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حدثه حنظلة بما يعاني،
قال:

أما نحن معاشر الأنبياء فتنام أعيننا ولا تنام قلوبنا، أما أنتم يا أخي فساعة وساعة، لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة.

أي ساعة تألق وساعة فتور، يفهم الناس هذا فهماً خاطئاً، يظنون ساعة طاعة وساعة معصية، مستحيل وألف ألف مستحيل أن يقصد النبي هذا المعنى، المؤمن مستقيم.
إذاً الله عز وجل جعل الإنسان ساعة تألق وساعة فتور، لعل في ساعة الفتور تزل قدمه، لعل في ساعة الفتور يقع في كلام خطأ، لذلك جاءت التوبة لتغطي هذا الاحتمال،
فالله عز وجل يقول:

(وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ)

[سورة النساء الآية:27]

(وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً)

[سورة النساء الآية:27]

(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)

[سورة البقرة الآية :222]

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً)

[سورة التحريم الآية:8]

الأمانة تدور مع الإنسان في كل شؤون حياته :

الحقيقة ، أن الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، أنت حينما تكون أباً ناجحاً فالطريق إلى الجنة، أنت حينما تكونين أماً رؤوفة ناجحة البيت طريق إلى الجنة، أنت حينما تكون عاملاً مؤتمناً ومخلصاً ومتقناً هذا يصل بك إلى الجنة، وأنت في دكانك، وأنت في عيادتك، وأنت في مكتبك الهندسي، وأنت في الصف تدرس، وأنت في الحقل تزرع، أنت في عبادة، لأن هذه الحركة في الحياة أدت إلى نفع الناس، إذاً أنت في عبادة، لهذا قالوا: عادات المؤمن عبادات عادات المؤمن، أكل، وشرب، وتزوج، وأنجب أولاداً، وربى أولاده، وعلمهم مبادئ الفضيلة والحق، فهو في عبادة، عمل عملاً معيناً أخلص فيه، أتقنه، خدم الناس فيه، فهو في عبادة، فعادات المؤمن عبادات إذاً هو الإنسان الأول، الإنسان الأول رتبة،
قال تعالى:

(الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)

[سورة الرحمن]

أيعقل أن يعلم القرآن قبل أن يولد؟ الآية هكذا: ( الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ ) ،
قال العلماء: هذا ترتيب رتبي لا ترتيب زمني، لا معنى لوجود الإنسان من دون منهج يسير عليه، فالإنسان هو المخلوق الأول، والمخلوق المكرم، لأنه قَبِل حمل الأمانة، لأنه قال: أنا لها يا رب، لأنه قبل المخاطرة والمغامرة.
أيها الأخوة الآية الكريمة التي تتحدث عن الأمانة، هذه الأمانة التي عجزت الجبال على حملها،

(وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً)

تدخل أمانة الواجبات، أمانة الحرف، أمانة المجالس، الأمانة واسعة جداً،
لأن الله عز وجل يقول:

(أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)

[سورة النساء الآية:58]

جاءت الأمانة جمعاً، الأنبياء لهم أمانة، أمانة التبليغ، العلماء لهم أمانة، أمانة البيان، الأطباء وأصحاب الحرف والمدرسون والمهندسون لهم أمانة، أمانة حرفهم ومهنهم، القاضي له أمانة، أمانة العدل، أي عمل تقوم به إذا أديته على النحو الذي أراده الله عز وجل تكون قد أديت الأمانة، فإن لم تؤده على ما ينبغي أن يكون فقد خان الإنسان الأمانة، فالأمانة تدور مع كل شؤون حياة الإنسان، في أي لحظة هناك أمانة، سألك سائل، هل أجبته إجابة مفصلة؟ أديت الأمانة، استعان بك إنسان، هل أعنته؟ أديت الأمانة، تزوجت، هل أديت حق الزوجة؟ أديت الأمانة، أنجبت أولاداً، هل ربيتهم تربية ترضي الله عز وجل؟ أديت حق الأمانة، فالأمانة واسعة جداً، تكاد الأمانة تدور مع الإنسان في كل حركاته وسكناته، هذه الأمانة في الدرجة الأولى نفسه التي بين جنبيه التي هي تذوق الموت ولا تموت إلى أبد الآبدين، فلذلك يسعد الإنسان إذا أدى الأمانة في جنة عرضها السماوات والأرض، ويشقى إذا خان الأمانة ومصيره في النار.
وهنالك معنى محدود للأمانة
الإنسان إذا كان أميناً بالمعنى الدقيق جداً للكلمة، هناك معنى دقيقاً محدوداً، هناك معنى موسعاً، إذا أودع الإنسان عندك مالاً ثم طلبه فأديته، هذا نوع من الأمانة لكن ضيق جداً، فالذي يعد أميناً عند الناس يكسب شيئاً لا يقدر بثمن، إنها ثقة الناس به، فالأمين يغتني لأن الناس وثقوا به، يعمل عندهم يثقون بأمانته، يعطونه أموالهم، هناك أبواب للرزق لا تعد ولا تحصى مفتحة أمام الأمين، أما إذا خان الأمانة فكل هذه الأبواب تغلق أمامه.

بماذا كُلف الإنسان؟

إن الإنسان فضلاً على أنه المخلوق الأول رتبة لأنه قبل حمل الأمانة، ولما قبل حمل الأمانة سخر الله له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه
قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ)

[سورة الجاثية الآية:13]

مكافأة الإنسان على قبوله حمل الأمانة
قال تعالى:

(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)

[سورة الإسراء]

الآن بعد أن قَبِل حمل الأمانة، وبعد أن سخر الله له بِمَ كلفه؟ الإنسان هو المخلوق الأول، والمخلوق المكرم، والمخلوق المكلف، كلفه أن نعبده.

(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)

[سورة الذاريات]

ما معنى أن يعبد الإنسان ربه ؟

لكن الأخوة الكرام أحياناً يتوهمون أن العبادة تلك العبادات الشعائرية كالصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، والحقيقة خلاف ذلك، العبادة مطلق طاعة الله، العبادة غاية الطاعة مع غاية الحب،
العبادة : طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، العبادة هي طاعة، لكن الأقوياء يطاعون، لا تعد طاعة الأقوياء عبادة، لأنها طاعة قسرية، لكن الله جلّ جلاله ما أراد أن تكون علاقتنا به علاقة قسر، ولا قهر، علاقة حب،
قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)

[سورة البقرة الآية:256]

وقال:

(يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)

[سورة المائدة الآية:54]

وقال:

(وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ)

[سورة البقرة الآية: 165]

هذا الإله العظيم آبى أن تكون العلاقة به علاقة قهر، أراد أن تكون العلاقة به علاقة حب، فجعل المحبة والمحبوبية هي علامة العلاقة بين العبد وربه.
إذاً: ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) إذاً هي طاعة طوعية، وليست قسرية، ممزوجة بمحبة قلبية، قال العلماء: ما عبد الله من أطاعه ولم يحبه كما أنه ما عبد الله من أحبه ولم يطعه:

تعصي الإله وأنت تظهر حبه***ذاك لعمري في المقال شنيعُ
لو كان حبك صادقاً لأطعتـه***إن المحـب لمن يحبُ يطيعُ

لذلك قال بعض العلماء: من أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه، ومن أعجب العجب أن تحبه ثم لا تطيعه، إذاً هذا كلام العلماء، تعرفه، تحبه، تطيعه، تسلم وتسعد به في الدنيا والآخرة.

عندما يعرف الإنسان ربه يستقيم على امره:

سيدنا ابن عمر مرّ براعٍ امتحنه،

قال له: يا هذا بعني هذه الشاة وخذ ثمنها؟
قال: ليست لي،
قال: قل لصاحبها ماتت وخذ ثمنها،
قال: ليست لي،
قال له: خذ ثمنها،
قال: والله إني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله؟

هذا الراعي على ضعف ثقافته وضع يده على جوهر الدين، فكفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى به جهلاً أن يعصيه.
فلذلك مهما نما علم الإنسان، واتسعت ثقافته، وحفظ كثيراً، ولم يستقم على أمر الله، فلا ينتفع من هذا العلم شيئاً، يمكن أن تتحدث في الدين لساعات طويلة، وبنصوص صحيحة، وتحليلات عميقة، وأسلوب أخاذ، وأنت لا سمح الله لا تعرف الله، حينما تأخذ ما ليس لك لا تعرفه، حينما تبني مجدك على أنقاض الآخرين لا تعرفه، حينما تبني غناك على فقرهم لا تعرفه، حينما تبني أمنك على خوفهم لا تعرفه، حينما توقع بين اثنين لا تعرفه، الذي يعرف الله يستقيم على أمره،
فلذلك الله عز وجل قال:

(مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً)

[سورة مريم الآية:59]

قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)

القلب السليم هو القلب الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله، ولا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله، ولا يحتكم إلا لشرع الله، ولا يعبد غير الله،
فلذلك: ( يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) ، ( فخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ ) أجمع العلماء على أن إضاعة الصلاة لا يعني تركها، بل يعني تفريغها من مضمونها
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((ليس كلٌ مصلٍّ يصلي، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي، وكفى شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب، كل ذلك لي))

[حديث قدسي رواه الديلمي عن حارثة بن وهب]

العبادات الشعائرية لا تقبل ولا تصح إلا إذا صحت العبادات التعاملية :

لهذا سأل النبي أصحابه:

((أتَدْرُونَ ما المُفْلِسُ؟ قالوا: المفْلسُ فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: إن المفْلسَ مَنْ يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شَتَمَ هذا، وقذفَ هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنيَتْ حَسَناتُهُ قبل أن يُقْضى ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه، ثم يُطْرَحُ في النار ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة]

1.الصلاة:

النقطة الدقيقة أن الله عز وجل بيّن في القرآن الكريم:

(إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر)

[سورة العنكبوت الآية:45]

2.الصيام:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((مَن لم يَدَعُ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ ))

[أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة]

3.الحج:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( من وضع رجله في الركاب، وقال: لبيك اللهم لبيك، ينادى ألا لبيك ولا سعديك، وحجك مردود عليك))

[أخرجه البزار عن أبي هريرة]

4.الزكاة:

قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ)

[سورة التوبة]

5.الشهادة:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل: وما حقها؟ قال: أن تحجبه عن محارم الله))

[الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم]

أخطر شيء سأقوله في هذا اللقاء الطيب العبادات الشعائرية كالصلاة والصوم والحج والزكاة لا تقبل ولا تصح إلا إذا صحت العبادات التعاملية.

في النهاية

الأمانة هي أنت، إنك قبلت حمل الأمانة تسلم وتسعد إذا أديت الأمانة، وتشقى وتهلك إذا لم تؤدِ الأمانة، هي أنت، وأخطر ما في الأمانة أن تؤديها كما أراد الله عز وجل، والله عز وجل ما كلفك بشيء إلا وأعطاك مقوماته، من أجل أن تحمل الأمانة جعل الله لك هذا الكون معرضاً لأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، أعطاك العقل، أعطاك الفطرة، أعطاك الشهوة المحركة، أعطاك الشرع كميزان، أعطاك الوقت، فما كلفك أن تعبده إلا بعد أن أعطاك مقومات هذه العبادة، فلذلك الأمانة تعني أن تسعد في الدنيا والآخرة، بل أن تسلم وتسعد، لأن كل إنسان في الأرض جُبل على حبّ وجوده، وعلى حبّ سلامة وجوده، وعلى حبّ كمال وجدوه، وعلى حبّ استمرار وجوده، فلمجرد أن تطيع الله عز وجل اصطلحت مع نفسك وأديت الأمانة، وحققت الهدف الذي خلقك الله له ألا وهي السعادة،
قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)

[سورة هود الآية:119]

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: ندوة إذاعية – إذاعية دمشق – ندوات مختلفة – الندوة 18: من وحي القرآن ( مكانة الإنسان )
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2010-09-01

السابق
الأمانة التي حملها الإنسان ومقومات حملها
التالي
الإنسان والشهوة