الجغرافيا

ياقوت الحموي – الجغرافي الأديب

ملخص المقال

    ياقوت الحموي الجغرافي الأديب، واحد من أشهر جغرافي الحضارة الإسلامية، له يد طولى على علم الجغرافيا، فمن هو ياقوت الحموي؟ وما أشهر مؤلفاته؟

جغرافي ورحالة وأديب وشاعر وخطاط ولغوي، من أشهر جغرافي الحضارة الإسلامية، له يد طولى على علم الجغرافيا، صاغ مؤلفاته بأسلوب رائق مبدع فاكتسبت جمالاً فوق جمالها فنهل منها العلماء والأدباء واللغويين.

حياة ياقوت الحموي ونشأته
هو شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي البغدادي الرومي، ولد عام (574هـ / 1178م) في بلاد الروم -الأناضول الحالية- ومن هنا جاءت تسميته بالرومي، وياقوت اسم كانت العرب تطلقه على الرقيق، ولما كان مجهول اسم الأب الرومي، فقد جعلوه عبدًا من عبيد الله، ومنذ ذلك أصبح اسمه ياقوت بن عبد الله الرومي، ثم لحق الحموي للدلالة على اسم مولاه الذي اشتراه [1].

منذ بدايات طفولته الأولى وقع في الأسر، وبيع في سوق العبيد في بغداد، فاشتراه تاجر يعرف بعسكر بن أبي نصر إبراهيم الحموي، فعاش كرقيق حتى سن العشرين، حيث أدخله عسكر مدرسة يتعلم فيها الكتابة، لينتفع به في ضبط تجارته، وكان عسكر هذا لا يحسن الخط، ولا يعلم شيئًا سوى التجارة، ولما كبر ياقوت قرأ شيئًا من النحو واللغة، وأصبحت اللغة العربية لغته الأم، ونال تعليمًا إسلاميًّا جيدًا، وكان سيده يعتمد عليه في متاجره؛ وذلك بسبب أمانته واستقامته، فكان ياقوت يتردد إلى كيش -جزيرة تقع في وسط الخليج العربي- وعمان وتلك النواحي ويعود منها إلى الشام [2].

لقد كانت لياقوت الحموي رغبة كبيرة في اكتساب العلم وتحصيله، فمع كونه عبدًا أسيرًا في يد سيده إلا أنه أصرَّ على التعلُّم؛ ليصبح من أشهر جغرافيي الإسلام.

أعتقه سيده عام (596هـ / 1199م)، وبذلك أصبح حرًّا، ولكن لم يلبث أن دبَّ بينهما خلاف، فترك ياقوت العمل عنده واحترف مهنة استنساخ الكتب وبيعها ببغداد، وقد أفاد من ذلك كثيرًا؛ إذ أُتيحت له فرصة الاتصال بعدد من مشاهير الأدباء والرواة، ثم عاد الوئام بينه وبين سيده القديم إلى عهده السابق، فاستأنف ياقوت أسفاره التجارية، وعند عودته من إحدى الرحلات وجد سيده قد مات بعد أن أوصى له ببعض ثروته، فعاد لتجارة الكتب فترة من الزمن، ولكنه لم يلبث أن بدأ في تجواله في عام (610هـ / 1213م) [3].

رحلات ياقوت الحموي
توسَّع ياقوت الحموي في رحلاته منذ عام (610هـ / 1213م) فاتجه إلى آسيا الصغرى وخراسان، منطلقًا من تبريز والموصل، قاصدًا بلاد الشام ومصر أولاً، وبعد ثلاثة أعوام اتجه مرة أخرى إلى دمشق، ثم غادرها إلى حلب فأربيل فأورمية فتبريز، ومنها قصد إيران الشرقية، وأمضى في نيسابور حوالي العامين، ثم غادرها إلى هرات وسرخس إلى أن بلغ مرو.

وقد أمضى ياقوت الحموي في مرو ثلاثة أعوام؛ باحثًا في مكتبتها الشهيرة، ولا سيما أن الأمر كان ميسورًا له، فكان يطالع أكثر من مائتي كتاب في وقت واحد، والغالب أنه كان يدفع رهنًا للنادر منها، ولكن أكثرها كان يتوفر له دون رهن.

ويتحدث ياقوت الحموي عن مرو قائلاً: “وقد أخرجت مرو من الأعيان وعلماء الدين والأركان ما لم تُخرج مدينة مثلهم؛ منهم: أحمد بن محمد بن حنبل الإمام، وسفيان بن سعيد الثوري .. وغيرهم”،  ويتحدث عن مكتبات مرو قائلاً: “فكنت أرتع فيها وأقتبس من فوائدها، وأنساني حبُّها كلَّ بلد وألهاني عن الأهل والولد، وأكثرُ فوائد هذا الكتاب وغيره مما جمعته فهو من تلك الخزائن” [4].

بعد ذلك تهيأ ياقوت لزيارة خوارزم، فقدم وصفًا رائعًا للمدينة ونهرها جيحون فيقول: “وما ظننت أن في الدنيا بقعة سعتها سعة خوارزم وأكثر من أهلها، مع أنهم قد مرنوا على ضيق العيش والقناعة بالشيء اليسير، وأكثر ضياع خوارزم مدن ذات أسواق وخيرات ودكاكين، وفي النادر أن يكون قرية لا سوق فيها، مع أمنٍ شامل وطمأنينة تامة، والشتاء عندهم شديد جدًّا؛ بحيث إني رأيت جيحون نهرهم وعرضه ميل وهو جامد، والقوافل والعجل الموقرة ذاهبة وآتية عليه” [5].

ولكنه علم بخروج التتار عام (616هـ / 1219م)، ثم اجتياحهم بخارى وسمرقند، فهرب من وجههم، وفي طريقة مرَّ بالري وقزوين وتبريز إلى أن بلغ الموصل، فدخلها فقيرًا معدمًا، ومنها كتب إلى الوزير ابن القفطي في حلب يرجوه العون، فأمده بما يُعِينُه، واستدعاه إلى حلب، وفي عام (624هـ / 1227م) توجَّه مرة أخرى إلى فلسطين ومصر، ثم قصد حلب [6].

مؤلفات ياقوت الحموي

معجم البلدان
بدأ ياقوت الحموي في تحرير معجم البلدان عام 612هـ عندما كان بمرو، ثم ما لبث أن انصرف عنه تحت وطأة هجمات جنكيز خان، ولما استقرَّ به المقام في الموصل عاد إليه، فأتمه عام 621هـ، وقد تميَّز ياقوت بعنايته بضبط أكثر ما أورده من الأعلام الجغرافية، فأعان ذلك على صحة قراءتها، ومن هنا غدا مرجعه من أوثق المصادر في هذا المضمار.

أما عن سبب تأليفه لهذا المعجم أنه كان ذا يوم في مجلس صاحب مرو وأميرها، وذُكِرَتْ كلمة (حباشة)، فذكر البعض أنها بالفتح، وذكرها آخرون بالضم، وكان هذا رأي ياقوت، وأراد أن يتثبت من صحة مقولته، فانطلق يبحث عنها بين الكتب، فكان ذلك حافزًا له إلى هذا العمل الموسوعي العظيم [7].

وتظهر أهمية هذا الكتاب في عرضه لآراء ونظريات العلماء الذين يذكرهم بصورة واضحة ومنهجية سليمة، مع كون هذه النظريات متناقضة أو مختلفة فيما بينها.

أما عن منهجه فيعد منهجًا فريدً؛ لأنه جمع بين اللغة والتاريخ والجغرافيا، ففي كل فقرة مخصصة لاسم مكان يقوم ياقوت أولاً بتثبيت شكل كتابته ولفظه، واشتقاق الكلمة، وأشكال النسبة التي قد تُشتق منها -فقه اللغة- وبعدئذ يتوصَّل إلى تفاصيل موضع المكان: كدرجة عرضه، وطوله، ويذكر عند الكلام عن منطقة واسعة، خصائص طبيعتها، ومواردها الطبيعية، وعمرانها بالناس، وموجزًا لأهم الأحداث التي شهدها هذا المكان -الناحية الجغرافية التاريخية.

وقد فاق الجانب اللغوي الجانب الجغرافي في أجزاء كثيرة من الكتاب، ولعلَّ ذلك راجع إلى نشأته اللغوية وتشبعه منها، مع كونه لم يكن عربيًّا، كما نلاحظ أن اللغة غلبت كذلك على وصفه الجغرافي في أحيان كثيرة.

كما نلاحظ أن ياقوتًا ألف كتابه على حروف المعجم، ولكنه يضطر -إذا نقصت بعض المعلومات- إلى إغفال ذكر عدد من التفاصيل، غير أن هذا المعجم رغم ذلك من أفضل مصادر المعلومات التي نملكها، خاصة إذا عرفنا أنه لا يقتصر على وصف الأماكن الواقعة في جزيرة العرب، بل يشتمل على وصف كل العالم الذي عرفه المسلمون.

ويتميز ياقوت الحموي عن الكثير من المؤلفين من أبناء عصره بملكة النقد، التي تظهر عندما يروي بعض الأساطير الذائعة في عصره، وفي حكمه على تلك الأساطير والتعليل لها [8].

فيقول ياقوت عن مادة (جاسك): “جاسك بفتح السين المهملة، وآخره كاف: جزيرة كبيرة بين جزيرة قيس -هي المعروفة بكيش- وعُمان قبالة مدينة هرمز، بينها وبين قيس ثلاثة أيام، وفيها مساكن وعمارات، يسكنها جند ملك جزيرة قيس، وهم رجال أجلاد أَكْفاء، لهم صبر وخبرة بالحرب في البحر وعلاجٌ للسفن والمراكب ليس لغيرهم، وسمعت غير واحد من جزيرة قيس يقول: أُهدي إلى بعض الملوك جوارٍ من الهند في مراكب، فرفأت تلك المراكب إلى هذه الجزيرة، فخرجت الجواري يتفسَّحنَ، فاختطفهنَّ الجنُّ وافترشهنَّ فولدن هؤلاء الذين بها.

يقولون هذا لِمَا يرون فيهم من الجَلَدِ الذي يعجز عنه غيرهم، ولقد حُدِّثْتُ أن الرجل منهم يسبح في البحر أيامًا، وأنه يجالد بالسيف وهو يسبح مجالدة من هو على الأرض” [9].

ويُعتبر كتابه “معجم البلدان” موسوعة جغرافية كبيرة، فقد جمع فيه ياقوت الحموي كل ما يتعلق بما يؤرخ له، من التاريخ والأخبار ووصف الأقاليم، ويذكر عظماء البلدة وشعراءها ورجال الدين فيها، كما يحاول ذِكْرَ سني ولادتهم ووفاتهم، فكان كتابًا فريدًا في بابه ونظمه، وقد ألفه على حروف الهجاء.

ويجدر بنا أن نقدم بعضا من النماذج التي أوردها ياقوت الحموي في كتابة؛ لندلل على عمق النظرة وبلاغة الوصف ودقة التعبير وسعة العلم والفقه، يقول في باب الهمزة والألف وما يليها:” آبر بفتح الهمزة وسكون الألف وضم الباء الموحدة وراء، قرية من قرى سجستان ينسب إليها أبو الحسن محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم الآبري شيخ من أئمة الحديث، له كتاب نفيس كبير في أخبار الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه، أجاد فيه كل الإجادة، وكان رحل إلى مصر والشام والحجاز والعراق وخراسان، وكان يعد في الحفاظ، وذكر الفراء أنه توفي في رجب سنة 363 هـ” [10].

ويقول في باب الميم والصاد وما يليها: المصانع كأنه جمع مصنع قال المفسرون في قوله تعالى: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} [الشعراء: 129]. المصانع الأبنية وقال بعضهم: هي أحباس تتخذ للماء واحدها مصنعة ومصنع ويقال للقصور أيضا مصانع” [11].

ويقول في باب الياء والحاء وما يليها: ” يحصب من حصب يحصب والحصب في لغة أهل اليمن الحطب فهو مثل حطب يحطب إذا جمع الحطب، وأما من الحصباء فهي الحجارة الصغار فهو حصب يحصب حصبا بكسر الصاد” [12].

ومن باب الباء مع الياء يقول: “ومن أشهر أئمتهم الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى البيهقي، وهو الإمام الحافظ الفقيه في أصول الدين الورع أوحد الدهر في الحفظ والإتقان مع الدين المتين من أجل أصحاب أبي عبد الله الحاكم والمكثرين عنه ثم فاقه في فنون من العلم تفرد بها” [13].

معجم الأدباء
ومن مؤلفاته أيضًا كتاب: (إرشاد الألباء إلى معرفة الأدباء)، يقول في أوًّله: “وجمعت في هذا الكتاب ما وقع إلي من أخبار النحويين، واللغويين، والنسابين، والقراء المشهورين، والأخباريين، والمؤرخين، والوراقين المعروفين، والكُتَّاب المشهورين، وأصحاب الرسائل المدونة، وأرباب الخطوط المنسوبة المعينة، وكل من صنف في الأدب تصنيفًا، أو جمع في فنه تأليفًا، مع إيثار الاختصار والإعجاز، في نهاية الإيجاز” [14]. وهو ما يعرف بـ معجم الأدباء.

وله كتب أخرى منها:
(معجم الشعراء)، و(المشترك وضعًا المختلف صقعًا)، و(المبدأ والمآل في التاريخ)، و(مجموع كلام أبي علي الفارسي)، (عنوان كتاب الأغاني)، و(المقتضب في النسب) يذكر فيه أنساب العرب، و(أخبار المتنبي)، و(كتاب الدول).

شهادة علماء الغرب له

المستشرق الروسي سنكوفسكي
لقد نال الحموي الكثير من الثناء من علماء الغرب؛ فيقول عنه المستشرق الروسي سنكوفسكي: “كاتب مدقق مجتهد، ندين له بحفظ آثار قيمة في تاريخ وجغرافية العصور الوسطى، وقد أبدى الكثير من الغيرة والحماس في دراسة الأوضاع الجغرافية والأنثوغرافية [15] والسياسية لعصره”.

المستشرق الروسي كراتشكوفسكي
ويتحدث عنه المستشرق الروسي كذلك كراتشكوفسكي [16] قائلاً: “أفضل مصنف من نوعه لمؤلف عربي للعصور الوسطى، ولتكوين فكرة عن معجمه يكفي أن نذكر أن المتن المطبوع يضم ثلاثة آلاف وثمانمائة وأربعًا وتسعين صفحة، وهو جماع للجغرافية في صورها الفلكية والوصفية واللغوية وللرحلات أيضًا، كما تنعكس في الجغرافية التاريخية إلى جانب الدين والحضارة والأثنولوجيا” [17].

وعن كتاب “معجم البلدان” ذكر مستشرق فرنسي أنه من المؤلفات التي يحقُّ للإسلام أن يفخر بها  كل الفخر [18].

وفاة ياقوت الحموي
بعد رحلة طويلة مليئة بالعذاب والتنقل من بلدة إلى أخرى هربًا من جحيم التتار، استقر المطاف بياقوت الحموي في حلب عند الوزير ابن القفطي، الذي أكرمه وأحسن ضيافته، وظلَّ بها إلى أن توفي في رمضان عام (626 هـ / 1229م)، وقد أوصى بوقف كتبه ببغداد، وكلَّف صديقه المؤرخ ابن الأثير بتنفيذ وصيته.

وهكذا قدَّم ياقوت الحموي للإنسانية مؤلفات جغرافية تفخر بها علمًا وأسلوبًا، فاستحقَّ أن يُطْلَق عليه الجغرافي الأديب.


[1] د. رحاب خضر عكاوي: موسوعة عباقرة الإسلام، 2/167.
[2] ابن خلكان: وفيات الأعيان 6/127، والذهبي: سير أعلام النبلاء 22/312، والزركلي: الأعلام 8/131.
[3] د. عبد الرحمن حميدة: أعلام الجغرافيين العرب ص447، بتصرف.
[4] ياقوت الحموي: معجم البلدان 5/114.
[5] المرجع السابق، 2/396.
[6] د. عبد الرحمن حميدة: أعلام الجغرافيين العرب ص 447، 448.
[7] د. محمد الصادق عفيفي: تطور الفكر العلمي عند المسلمين ص285.
[8] د. عبد الرحمن حميدة: أعلام الجغرافيين العرب ص450.
[9] ياقوت الحموي: معجم البلدان 2/95.
[10] السابق 1/49.
[11] السابق ص 5/136.
[12] السابق 5/431.
[13] السابق 1/538.
[14] شرف الدين الإربلي: تاريخ إربل 1/319. 
[15] مصطلح يعني دراسة أسلوب الحياة والعادات والتقاليد.
[16] إجناطيوس كراتشكوفسكي (Ignaij Julianovic Krackovskij): مستشرق روسي عاش ما بين 1883-1951م، وهو من مؤسسي مدرسة الاستشراق الروسي، صاحب كتاب تاريخ الأدب الجغرافي العربي.
[17] د. عبد الرحمن حميدة: أعلام الجغرافيين العرب ص451.
[18] نقلا عن د. رحاب خضر عكاوي: موسوعة عباقرة الإسلام، 2/171.

السابق
ابن ماجد – أسد البحر الهائج
التالي
أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي