احداث المغرب العربي

دولة المرابطين

شهد «المغرب الأقصى» خلال القرنين الخامس والسادس الهجريين فترة مزدهرة؛ عُدَّت من أخصب فترات حياته؛ حيث قامت على أرضه أكبر دولتين عرفتهما المنطقة فى هذا الوقت، هما: «دولة المرابطين»، و «دولة الموحدين»، اللتان أبرزتا شخصية «المغرب الأقصى» باعتبارها دولاً مستقلة؛ قامت على أكتاف أبنائها، وبسطت نفوذها على مناطق شاسعة بالشمال الإفريقى، فضلا عن «الأندلس»، وشاركت مع غيرها فى إرساء قواعد الحضارة الإسلامية فى غربى العالم الإسلامى، بنظمها، وحضارتها واقتصادها المزدهر، ومبانيها، فضلا عن ثقافتها، وعلمائها ومفكريها.

– الأوضاع السياسية فى بلاد المغرب الأقصى قبل قيام دولة المرابطين:

أصيبت «دولة الأدارسة» التى أسسها «إدريس بن عبدالله» بالمغرب الأقصى فى سنة (172هـ = 788م) بالضعف والاضمحلال بعد دخول جيوش «أبى عبدالله الشيعى» بقيادة «مصالة بن حيُّوس المكناسى» إلى هذه المنطقة فى سنة (305هـ= 917م)، ومن ثَم مرت المنطقة بفترة حالكة فى تاريخها، وباتت تدعو على منابرها للفاطميين تارة، ولحكام «الأندلس» تارة أخرى، وخيَّمت عليها المنازعات القبلية والحروب الطاحنة وتوزعت المنطقة بين القبائل المختلفة والأسر المتناحرة، وانقسمت الخريطة السياسية للمغرب الأقصى إلى أربعة تجمعات، هى:

1 – منطقة «فاس» وما حولها، وهى خاضعة لأمراء «مغرادة».

2 – منطقة «سلاوتادلا»، وكانت خاضعة لبنى يغرن.

3 – منطقة «سجلماسة» و «درعة»، وكانت خاضعة لبنى خزردن.

4 – إمارة «برغواطة» فى سهول «تامسنا».

أما «فاس»؛ فكانت خاضعة لأمراء «مغرادة»، وقد دخلها «زيرى بن عطية» أول هؤلاء الأمراء فى سنة (377هـ= 987م)، واستوطن بها، ثم جعلها قاعدة إمارته، ودخل فى عدة حروب مع «بنى يغرن»، ومع جيوش «الدولة الأموية» التى كان خاضعًا لها، وقد انتهت هذه الحروب بوفاة «زيرى» متأثرًا بجراحه فى سنة (391هـ= 1001م)،فلما ولى ابنه «المعز» الإمارة أصلح علاقته بالدولة الأموية فى «الأندلس»، ثم توالى الأمراء على «فاس»، واتسمت فترة حكمهم بكثرة الحروب، وكان «تميم بن معتصر بن حماد» الذى تولى فى سنة (460هـ= 1068م) هو آخر الأمراء، وقد دخل فى صراع طويل مع «المرابطين»، ولكنهم نجحوا فى دخول فاس فى سنة (462هـ= 1070م)، وقتل «تميم»، وطويت صفحة أمراء «مغرادة»، وتولى المرابطون السلطة.

أما منطقة «سلاوتادلا»، فكانت خاضعة لأمراء «بنى يغرن»، الذين دخلوا فى صراع مع أبناء عمومتهم من أمراء «مغرادة»، وكان آخر أمرائهم هو «محمد بن تميم بن زيرى» الذى تولى الإمارة فى سنة (448هـ= 1056م)، وقتل على أيدى المرابطين فى سنة (462هـ= 1070م).

أما «سجلماسة» و «درعة» فقد تولى حكمها «بنو خزردن» فى سنة (366هـ= 976م)، واستمروا فى الحكم حتى أسقطهم المرابطون فى سنة (477هـ= 1084م).

أما إمارة «برغواطة» – التى احتلت المناطق الساحلية جنوبى «طنجة» إلى «آصيلا» واشتملت على مناطق «تامسنا» – التى أقامت بها عدة قبائل من «زناتة»، فقد دخلت هذه الإمارة فى صراع مع «بنى يغرن»، و «الأدارسة»، ثم مع المرابطين الذين قضوا على الحكم فيها، وغيروا سياستها ونظمها.

 

قيام دولة المرابطين

قامت «دولة المرابطين» على أساس دعوة دينية، نمت وازدهرت فى «ديار الملثمين» بجنوب «المغرب الأقصى» بفضل جهود الفقيه المالكى «عبدالله ابن ياسين»، الذى تمتع إلى جانب علمه وفقهه ببعد النظر ونفاذ البصيرة، وتوجه إلى قبيلة «جدالة» بصحبة زعيمها «يحيى بن إبراهيم»، ففرحت بمقدمه، ثم ما لبث هذا الفرح طويلا حتى تحول إلى جفوة وإعراض حين بدأ «ابن ياسين» فى تغيير ما ألفوه من عادات وملذات تخالف أحكام الدين، وحسبه الزعماء والنبلاء ينتقص من حقوقهم، ويُسوِّى بينهم وبين مواليهم، وساءت العلاقة بينهم وبين «ابن ياسين» ونهبوا داره وهدموها، واضطر هذا الفقيه إلى الرحيل بمن تبعه إلى جزيرة منعزلة بالسنغال.

وبدأ «ابن ياسين» فى هذه الجزيرة بإعداد التلاميذ ونشر الدعوة، فذاع صيته، وكثر عدد أتباعه، فأطلق عليهم لقب: «المرابطين»، ومضوا فى تنفيذ ما أمر به.

وقد بدأ المرابطون نشر دعوتهم بين قبيلة «جدالة» التى تمردت على «ابن ياسين» من قبل، فقصدوا قبيلتى «لمتونة» و «سوقة» ونجحوا فى نشر دعوتهم بينهما، فكان ذلك مدعاة لانضواء بقية القبائل تحت لوائهم.

انتقال السلطة إلى قبيلة لمتونة

تُوفِّى الأمير «يحيى بن إبراهيم الجدالى» فى سنة (447هـ= 1055م)، فاختار «ابن ياسين» «يحيى بن محلاكاكين اللمتونى» قائدًا لجند المرابطين، فنقل بذلك السلطة العسكرية من «جدالة» إلى «لمتونة» التى كانت تتمتع بمكانة مرموقة بين بقية «قبائل الملثمين»، فضلا عن سيطرتها على طرق التجارة الساحلية، وهكذا ظهرت قبيلة «لمتونة» على مسرح الأحداث، وتتابع أبناؤها فى السلطة حتى نهاية حكم المرابطين.

وفى سنة (447هـ= 1055م) استغاث فقهاء «درعة» و «سجلماسة» بعبدالله بن ياسين لإنقاذ بلادهم من الفساد والظلم، فاستجاب لهذه الدعوة، وخرج بجيشه متوجهًا إلى «درعة» و «سجلماسة»، وتمكن من القضاء على أمراء «مغرادة»، وولى المرابطون عمالا تابعين لهم على هذه البلاد.

ولم يستمر الهدوء طويلاً بمدينة «سجلماسة» وقامت بها ثورة؛ اضطرت المرابطين بقيادة «يحيى بن محلاكاكين» إلى العودة إليها، ونجحوا فى إخماد ثورتها، إلا أن قائدهم «يحيى اللمتونى» استشهد فى المعركة، فوقع اختيار «ابن ياسين» على الأمير «أبى بكر بن عمر» فى سنة (448هـ= 1056م) لقيادة الجيوش، فانتقل «أبو بكر» بالدعوة من مرحلة تلبية نداء المعونة لسجلماسة و «درعة» إلى مرحلة الغزو المسلح للمغرب الأقصى، ودخل مع قبائل «برغواطة» التى اعتنقت المجوسية فى عدة معارك، فأصيب الداعية «ابن ياسين» فى إحداها بإصابات قاتلة أودت بحياته فى سنة (451هـ= 1059م).

وواصل «أبو بكر» جهاده، وفرَّق جموع «برغواطة»، واستأصلشأفتهم، ثم رجع إلى مدينة «أغمات» التى اتخذها عاصمة له. وقد شاركه فى نشاطه المسلح ابن عمه «يوسف بن تاشفين الصنهاجى اللمتونى»، الذى أثبت كفاءة عالية، ومقدرة فائقة، وحقق نجاحًا بارزًا؛ غير أن أحداثًا ما وقعت بالصحراء، جعلت «أبا بكر» يتوجه إلى الجنوب تاركًا قيادة بقية المرابطين لابن عمه «يوسف».

يوسف بن تاشفين

يعد «ابن تاشفين» المؤسس الحقيقى لدولة المرابطين بالمغرب الأقصى، وقد تجمعت فيه صفات الزعامة والشجاعة والقيادة والحزم، والتفت حوله قلوب المرابطين، وشرع فى بناء مدينة «مراكش» عاصمته الجديدة فى سنة (454هـ= 1062م) ونجح فى بسط نفوذه على «المغرب الأقصى» فى سنة (467هـ= 1074م).

وقد نجح ابن «تاشفين» إلى جانب توحيد «المغرب الأقصى» فى وقف الزحف النصرانى على «الأندلس»، وضمَّها إلى «دولة المرابطين» التى اتسعت أطرافها وزادت خيراتها، وتمتعت بالازدهار والرقى فى مختلف المجالات، ثم مرض «يوسف» فى سنة (498هـ= 1104م)، ثم أسلم روحه فى سنة (500هـ= 1106م) ودفن بمدينة «مراكش».

على بن يوسف بن تاشفين

ولى الأمير «على» الحكم واقتفى سياسة والده، وسار بين الناس بالحكمة والعدل، واستعان بالفقهاء والعلماء فى حكم البلاد، فتبوأ مكانة طيبة فى نفوس رعيته.

ومضى «على بن يوسف» فى استكمال الجهود الحربية التى بدأها والده بالأندلس، وعبر إليها بنفسه أربع مرات؛ لتثبيت سلطان المرابطين، ومواجهة الهجمات المتكررة للمسيحيين، فأحرز انتصارات كبيرة، ونال رضا الخلافة العباسية.

تاشفين بن على

تُوفِّى الأمير «على» فى سنة (537هـ= 1142م)، فتولى ابنُه «تاشفين» الحكم من بعده، فدخل فى صراع مع دولة «الموحدين»، ولم تفلح جهوده فى صد موجاتهم المتتابعة، وانتهى به الأمر إلى «وهران»؛ حيث قُتل فى سنة (539هـ= 1144م)، فَفَتَّ ذلك فى عضد الدولة، وسقطت أجزاء كثيرة منها فى أيدى الموحدين.

إسحاق بن على

حاول المرابطون الاحتفاظ بكيانهم المتداعى، وأمَّروا عليهم «إبراهيم بن تاشفين» إلا أنه لم ينعم بالسلطة طويلا، حيث نازعه عليها عمه «إسحاق بن على ابن تاشفين»، وتولى مكانه، ولكنه لم يستطع أن يدفع حصار الموحدين بقيادة «عبدالمؤمن» خليفة «ابن تومرت» حول العاصمة «مراكش» فى سنة (541هـ= 1146م)، فسقطت «مراكش» فى يد «عبدالمؤمن» الذى أعمل فيها السيف وقضى على كثير من أهلها، وترتب على ذلك سقوط «دولة المرابطين».

عوامل سقوط دولة المرابطين

ضعفت القيادة العليا للمرابطين منذ تولى «على بن يوسف» حكم البلاد، واستبد كثير من الأمراء بالأمر، ثم جاء الخلاف الخطير بين «إبراهيم بن تاشفين» وعمه «إسحاق بن على» على السلطة، فى الوقت الذى كان يزحف فيه الموحدون نحو العاصمة «مراكش».

يضاف إلى ذلك تخاذل الجند، فضلا عن الحروب المستمرة التى خاضوها بالأندلس، فاستنزفت قواهم واقتصاد بلادهم، وظهور شخصية «ابن تومرت» الذى نجح فى جذب أعداد كبيرة إليه.

فكان ذلك كله من أسباب سقوط «دولة المرابطين» وقيام «دولة الموحدين».

العلاقات الخارجية لدولة المرابطين

تركزت علاقات المرابطين فى جبهتى «الأندلس» و «الدولة العباسية»؛ حيث هبوا لنجدة «الأندلس» من النصارى الإفرنج، ثم قرروا -بعد عدة معارك- ضمها إلى دولتهم، وظلت المعارك هى الطابع المميز لعلاقة المرابطين بالممالك الإفرنجية فى الشمال الأندلسى.

أما علاقتهم بالعباسيين فقد بدأت بعد أن قاموا بنشر دعوتهم بأرجاء «المغرب الأقصى»، ومن ثم اتصلوا بالخلافة واعترفوا بسلطة الخليفة الروحية فى العالم الإسلامى، وطلبًا لتأييد «الخلافة العباسية» لهم، وفى ذلك دعم لدعوتهم التى تأسست عليها دولتهم، وكان الترحيب والاستجابة سمة العلاقة بين الجانبين.

الأوضاع الحضارية فى دولة المرابطين

– الوزارة

بعد أن وطَّد «يوسف بن تاشفين» دعائم دولته، وأخضع «الأندلس»لسلطته، اتخذ صهره «سير بن أبى بكر» وزيرًا له؛ حيث كان من أبرز زعماء «لمتونة» وقادتها، وقد أسند «ابن تاشفين» إليه مهمة الاستيلاء على مدن «الأندلس».

وإلى جانب الوزارة العسكرية، كانت هناك وزارة مدنية؛ اُختير معظم مَن تقلدوها من الفقهاء الذين نالوا حظًّا كبيرًا من الثقافة العربية، أمثال «مالك بن وهب» وزير «على بن يوسف».

وقد انقسم الوزراء من حيث إقامتهم إلى وزراء مركزيين، يقيمون بمراكش بوصفها عاصمة البلاد، ووزراء إقليميين، تابعين للأمراء المحليين. وتنوعت اختصاصات الوزراء وسلطانهم بالإشراف على الشئون المالية، أو الاختصاص بالكتابة، أو بشئون العمال والمتصرفين فى أموال الدولة، ذلك فضلا عن الوزير المختص بشئون الحرب والفنون العسكرية.

– أمراء الأقاليم

شمل إقليم «المغرب الأقصى» ست ولايات عدا العاصمة «مراكش» وهذه الولايات هى: «فاس» و «سجلماسة» و «السوس» و «تلمسان»، أما الصحراء و «سبتة» و «طنجة» فكانت إقليمًا واحدًا، ويتم اختيار الولاة من الأسرة الحاكمة بمراكش أو من ذوى قرباهم، أو من القبائل المؤسسة للدولة.

وقد تمتع ولاة «المغرب الأقصى» فى ظل «دولة المرابطين» بسلطات واسعة، وكان من حقهم عزل وتعيين من دونهم من الولاة المحليين، والقيام بتحركات عسكرية داخل مناطق نفوذهم، ولذا أشرف أمراء المرابطين عليهم، ورسموا لهم السياسات وتابعوا تطبيقها، وحاسبوا وعاقبوا على التقصير فيها.

– الدواوين

عمل «يوسف بن تاشفين» بنظام الدواوين فى سنة (464هـ= 1072م)، فأنشأ «ديوان الرسائل» (الإنشاء) وجعل عليه موظفًا كبيرًا عُرف باسم: «الكاتب»، وأقام أربعة دواوين على مالية الدولة، وهى:

1 – «ديوان الغنائم ونفقات الجند».

2 – «ديوان الضرائب».

3 – «ديوان الجباية».

4 – «ديوان مراقبة الدخل والخرج».

الشرطة

اتخذ أمراء المرابطين الشرطة للمحافظة على أرواح الناس، وحماية ممتلكاتهم، وصيانة حقوقهم، وقد أُطلق على صاحب الشرطة بالمغربالأقصى لقب: «العريف» أو «صاحب الليل» لما يقوم به من الحراسة ليلاً.

وكان على صاحب الشرطة معاونة الحكام وأصحاب المظالم وإقامة الحدود والتعازير، وإشخاص الناس لذلك، فضلاً عن مراقبة أبواب المدينة وتحصيناتها.

النظام القضائى

أقام المرابطون نظامهم القضائى على الأسس القضائية التى أحكمها الأمويون بالأندلس؛ إذ فصلوا بين السلطتين الإدارية والقضائية، واستعان المرابطون بكثير من القضاة من مختلف المناطق مثل:

«موسى بن حماد الصنهاجى» الذى تولى القضاء بمراكش فى عهد «على بن يوسف بن تاشفين»، وتُوفى فى سنة (535هـ=1140م)، والقاضى «ابن ملجوم»، من «فاس»، وتولى القضاء بفاس ومات فى سنة (543هـ= 1148م)، والقاضى «عياض بن موسى بن عياض اليحصبى» من «سبتة»، وقد تولى القضاء بسبتة، وتُوفى بمراكش فى سنة (544هـ= 1149م).

واشتُرِط فى القاضى أن يكون رجلا عاقلا حرا مسلمًا عادلاً، مع السلامة فى السمع والبصر، وأن يكون عالمًا بالأحكام الشرعية، وأن تكون مصادره فى القضاء الكتاب والسنة وما وقع عليه إجماع الأمة والاجتهاد، والمتكلَّم به عند الفقهاء.

الحياة الاقتصادية فى دولة المرابطين

شهد «المغرب الأقصى» فى عهد «دولة المرابطين» ازدهارًا اقتصادياً ورخاءً فى مناحى الحياة كافة؛ حيث حرص المرابطون على النهوض بالزراعة والصناعة والتجارة، واهتموا بالنظام المالى وإدارته وكيفية جمعه وإنفاقه، واتخذ «يوسف بن تاشفين» حصنًا صغيرًا لحفظ الأموال والسلاح، ثم دَوَّن لذلك الدواوين حين اتسعت أعمال دولته واستقرت أوضاعها فجعل للمالية دواوين: «الغنائم»، و «نفقات الجند»، و «الضرائب»، و «الجباية»، و «مراقبة الدخل والخرج»، وكان الكتَّاب يقومون بتدوين النواحى المالية المختلفة، والعمال الذين يقومون بجبايتها، وكان جمع أموال الزكاة والجزية المفروضة على أهل الذمة يتم كل عام، أما غير ذلك من مصادر المال كالغنيمة والعشور، فإنها كانت مرتبطة بظروفها.

وكان المشتغلون بمالية الدولة -دائمًا- تحت المراقبة الشديدة، والحساب المستمر، والعقاب السريع فى حالة التقصير.

وتأتى الزكاة فى مقدمة مصادر الدخل المالى لهذه الدولة، ثم تليها الجزية المفروضة على أهل الكتاب نظير ما يتمتعون به من أمن وحماية، وقد فُرضت الجزية على الرجال الأحرار العقلاء، ولم تُؤخذ من النساء، ولا من الصبية والمجانين والعبيد، وكان مقدارها موكولاً إلى ولاة الأمر واجتهادهم. أما فيما يتعلق بالضرائب، فإن المرابطين فى بداية عهدهم التزموا بأحكام الشرع، ولم يفرضوا إلا ما جاء بالكتاب والسنة، وألغوا ما عدا ذلك من الضرائب بالمغرب والأندلس، وشكلت الغنيمة مصدرًا مهما من مصادر الدخل للدولة، نظرًا للمعارك الكثيرة التى خاضها المرابطون ضد الإفرنج.

وقد ساهمت المصادر المالية المتنوعة فى الإنفاق على تجهيز الحملات العسكرية المتكررة، وإقامة المنشآت، والإنفاق على أوجه الإصلاح والتعمير، فضلا عن المرتبات والأرزاق، وأصدر المرابطون العملات النقدية لتأكيد سلطانهم الاقتصادى.

واهتموا بالزراعة وما يتعلق بها، فشيد «على بن يوسف» قنطرة على نهر «تانسيفت» لتوزيع المياه اللازمة للزراعة، فشهدت البلاد – لخصوبة أرضها- وفرة فى المزروعات، وكذلك فى الغابات التى نبتت فى أجزاء متفرقة من البلاد. فأمدت البلاد بكميات وفيرة من الأخشاب التى استخدمت فى كثير من الصناعات مثل صناعة السفن.

وكان للصناعة دور بارز فى ازدهار اقتصاد «دولة المرابطين»؛ حيث ازدهرت صناعات كثيرة ومتنوعة نتيجة استقرار الأوضاع، وتوافر المواد الخام، ووجود الخبرة الصناعية المتمثلة فى الأيدى العاملة التى حركت عجلة التصنيع، ودفعتها إلى الأمام.

وقد ظهرت عدة صناعات منها: صناعة السفن والزجاج، وأدوات النحاس والحديد، واستخراج الزيوت من الزيتون، والسكر من القصب، وكذلك صناعة الملابس من القطن والصوف، وصناعة دبغ الجلود.

وشاركت التجارة فى دفع عجلة الاقتصاد بدولة المرابطين منذ تأسيسها؛ حيث وجه أمراء هذه الدولة اهتمامهم إلى التجارة، وعملوا على تنشيطها؛ بتشجيع التجار على ارتياد البلاد، ووفروا لهم سبل الإقامة، وأنشأوا لهم الفنادق، مثلما فعل «يوسف بن تاشفين» حين دخل مدينة «فاس» فى سنة (462هـ= 1069م).

وقد وُجدت المراكز التجارية فى أنحاء دولة المرابطين، وبخاصة فى العاصمة «مراكش» التى حظيت باهتمام التجار، وصارت مركزًا للتجارة الداخلية بين مدن الشمال والجنوب، كما كانت مدينة «فاس» مركزًا تجارياًّ مهماًّ، لموقعها الممتاز فى قلب البلاد، وتوافر المحاصيل الزراعية والصناعات المختلفة بها.

وارتبطت مراكز التجارة الخارجية بالمغرب الأقصى فى عهد المرابطين، بعدة طرق برية يضاف إليها الطريق الملاحى الذى تنقل التجارة بواسطته من هذه البلاد وإليها، وكانت أهم الطرق البرية هى: الطريق الذى كان يربط البلاد بمنطقة «السنغال» و «النيجر»؛ إذ كان يمر بسجلماسة «ودرعة» ومدن «المغرب الأقصى»، متجهًا إلى «أودغشت»، ثم إلى منحنى «النيجر»، وهناك طريق الساحل الذى يربط «دولة المرابطين» بالشرق حتى «مصر»، إلى جانب طريق آخر من «أودغشت» و «سجلماسة»، تسير فيه القوافل بالصحراء حتى «الواحات الداخلة» بمصر.

وكان للموانى المنتشرة على ساحل «البحر المتوسط» و «المحيط الأطلسى» أثر كبير فى تنشيط حركة التجارة، فتنوعت صادرات البلاد، وشملت: القطن، والقمح، والسكر، والزيتون، والزيت المستخرج من الأسماك، والنحاس المسبوك، وغيرها من الصادرات.

أما أهم وارداتها، فكانت: الذهب، والزئبق، وبعض أنواع النسيج البلنسى، والعطر الهندى، وبعض الواردات الأخرى.

الحياة الاجتماعية فى دولة المرابطين

شكل البربر الغالبية العظمى من سكان «بلاد المغرب» الذين تأسست على أيديهم دولة المرابطين، وقد شاركهم العرب فى الإقامة بالمنطقةمنذ بدأت فتوح المسلمين لهذه البلاد، ثم جاءت القبائل العربية الهلالية بعد ذلك إليها، وشاركهم السودانيون الذين انضموا إلى جيوش المرابطين، فضلاً عن تواجد عنصر الروم والصقالبة الذين عاشوا فى ظل المرابطين، واتخذ منهم بعض الأمراء حرسه الخاص، كما استخدمهم بعض الأمراء فى جباية الأموال.

وقد تبوأت المرأة مكانة مرموقة فى المجتمع المرابطى، وتمتعت بوضع كريم فى القبيلة الصنهاجية؛ إذ كانت تشترك فى مجلس القبيلة، وتشارك فى الأمور المهمة. وبلغ احترام المرابطين للمرأة حدا جعل القادة والأمراء يُلقبون أنفسهم بأسماء أمهاتهم، تقديرًا لدور المرأة فى المجتمع، فنجد «ابن عائشة»، و «عبدالله بن فاطمة»، وهما من أبرز قادة المرابطين.

وعاش أهل الذمة فى بلاد المرابطين إلى جانب غيرهم من طبقات المجتمع وفئاته فى ظل حماية القيادة العليا للبلاد، وأصبحت طائفة اليهود على قدر كبير من الثراء، ولكن بعض أهل الذمة عمدوا إلى مساعدة أعداء البلاد، وتحريضهم على غزوها، فكان رد فعل أمراء المرابطين هو نفى عدد كبير من هؤلاء، ومنْع اليهود من المبيت بالعاصمة «مراكش»، والسماح لهم بالعمل نهارًا، والانصراف منها ليلاً؛ وهو إجراء وقائى للحفاظ على العاصمة من المؤامرات والدسائس والفتن، وبها ما بها من تجمعات الجند وقادة الجيوش، وإدارة البلاد، فضلا عن كونها مقر أمير البلاد وأسرته وأعوانه وحاشيته.

البناء والتعمير

انتعشت حركة البناء والتعمير فى «دولة المرابطين»، وقد بدأها الأمير «يوسف بن تاشفين» بتأسيس مدينة «مراكش» وبنائها، وغيرها من المنشآت، وتبعه فى ذلك ابنه «على» والأمراء من بعده، وامتازت مبانى المرابطين بالضخامة والقوة والاتساع، والاقتصاد فى الزخرفة تمشيًا مع بساطتهم.

وتعد «مراكش» من أبرز أعمال المرابطين، وكان سبب بنائها، ازدحام مدينة «أغمات» بقبائل المرابطين القادمين من الجنوب، يضاف إلىذلك موقعها الاستراتيجى فى مفترق طرق الأطلس والصحراء، وقربها من مواطن المصامدة الذين يشكلون غالبية السكان، وكذلك قربها من صحراء المرابطين ومواطن «لمتونة»؛ حيث توجد الإمدادات العسكرية، وتأسست «مراكش» على أرجح الآراء فى سنة (454هـ= 1062م)، وشارك الأمير «يوسف» فى البناء لتشجيع من حوله فى المساهمة، ثم بنى فيها ابنه الأمير «على» قصره المعروف بدار الحجر، وأحاطه بالأسوار.

الحياة الفكرية

عاشت «دولة المرابطين» نهضة فكرية مزدهرة، ازدهرت فيها علوم الأدب واللغة والعلوم والفلسفة والطب، ووفد طلاب العلم على المدن المغربية من كل مكان، وقد ساعد على ذلك تشجيع الأمراء المرابطين للعلماء وطالبى العلم، فقصد العلماء العاصمة «مراكش»، وانتظم الطلاب فى دراساتهم، واجتهد كل ذى موهبة فى إبراز ما لديه، ورغب كثير من أبناء «المغرب» فى طلب العلم، لأن مناصب الدولة ووظائفها كانت مقصورة على المتعلمين والمثقفين.

وأصبحت «مراكش» تضاهى «بغداد» فى ازدهار العلوم وكثرة العلماء وشاركتها مدينة «فاس» التى أسسها «إدريس بن عبدالله» فى المكانة، وظل مسجدها الكبير (جامع القرويين) مركز إشعاع علمى يقصده طلاب العلم من كل مكان.

العلوم الدينية

أسهمت الروح الدينية التى سادت «بلاد المغرب» منذ قيام «دولة المرابطين» فى ازدهار العلوم الشرعية؛ مثل: علوم التفسير والحديث والفقه والكلام، ووفود كثير من علماء الأندلس على مراكش وغيرها فأسهموا فى دفع حركة التأليف، وشاركهم أبناء المغرب الذين أقبلوا على الدراسة والبحث فى دفع هذه الحركة، فنبغ عدد كبير من العلماء.

وعنى المغاربة بكتاب «الوجيز» فى التفسير لعبدالحق بن غالب بن عطية المحاربى، المتوفى فى سنة (541هـ= 1146م)؛ حيث جمع فيه «ابن غالب» خلاصة التفاسير كلها، وتحرَّى منها ما هو أقرب إلى الصحة.

ونال علم الحديث عناية فائقة من ولاة الأمر، وكان «موطأ» الإمام«مالك» مدار الدراسات فى الدولة، وكذلك نشط علم الفقه، ولم ينل علم الكلام الرعاية والعناية خلال حكم المرابطين، لأنهم نهجوا طريق السلف، ولم يميلوا إلى الخوض فى هذا العلم.

الحياة الأدبية والعلمية

ازدهر الأدب بنوعيه الشعر والنثر فى هذه الفترة باعتباره مظهرًا من مظاهر الحركة الفكرية بالبلاد، وحظى الأدباء برعاية الولاة، وكان بالبلاط المرابطى بعض كبار الكتاب والأدباء الأندلسيين، أمثال:

«أبى القاسم بن الجد»، و «ابن القبطرنة»، و «أبى عبدالله بن أبى الخصال»، و «ابن خلدون» وغيرهم.

وقد أثر المذهب المالكى وعلماؤه وفقهاؤه فى توجيه الأدب المغربى وجهة تميزت بالبساطة والوضوح، وبعدت عن الزخرف والصنعة وبعدته عن تناول بعض الأغراض التى تناولها أدباء المشرق مثل: «الخمريات»، التى تتنافى مع الجو الدينى الذى ساد البلاد.

المكتبات

كثر عدد المكتبات التى ازدحمت بالمؤلفات فى عهد المرابطين، نظرًا لكثرة العلماء والمؤلفين والكتاب، واهتمام ولاة الأمر بهم وتكريمهم لهم، وقد ساعد ذلك على ازدهار الحركة الفكرية للبلاد.

ولم تكن الرغبة فى جمع الكتب مقصورة على ولاة الأمر، بل تعدتها إلى أبناء الشعب، ودفع الكثير منهم مبالغ كبيرة لشراء مرجع أو اقتناء كتاب. مثلما فعل القاضى: «عيسى بن أبى حجاج بن الملجوم» الذى اشترى من «أبى على الغسانى» نسخة من «سنن أبى داود» بخمسة آلاف دينار.

وكان منصب «أمين مكتبة الخزانة العلية» من المناصب الرفيعة فى الدولة، ولا يتولاه إلا أحد أكابر العلماء المشهورين بالثقافة والكفاءة ودقة التصنيف.

وقد تحددت أماكن كثيرة لبيع الكتب بدولة المرابطين، ففى «مراكش» كانت متاجر بيع الكتب المخطوطة إلى جوار جامع الكتبيين، وكانت فى «تلمسان» سوق لبيع الكتب. وهكذا ساهمت المكتبات فى دفع تيار الثقافة بالبلاد، وتزويدها بما تحتاجه من مختلف فروع العلم والمعرفة.

السابق
دولة الأغالبة
التالي
دولة الموحدين